قد يرى الإنسان في منامه فنجان قهوة تغيّر طعمها أو فسدت رائحتها، أو وجد في العلبة بنًّا قديمًا انتهت صلاحيته، فيستيقظ وفي نفسه شيء من الاشمئزاز أو الحيرة. وهذا من الأحلام الشائعة التي كثيرًا ما تعكس مشاهد يومية بسيطة مرّت بالرائي في بيته أو مطبخه. وينبغي أن يكون النظر إليها هادئًا ومطمئنًا، فهي ليست نذير شر، وإنما صورة رمزية يمكن أن يتأملها الإنسان بلا قلق. وتعبير الرؤيا في عمومه ظني، فلا يُحمل الحلم على معنى حرفي ولا يُنتظر منه وقوع شيء بعينه.
للقهوة في المنام دلالات مألوفة: فهي تمثل الضيافة والكرم، وتمثل اليقظة والنشاط، وتمثل المجالس واللقاءات التي يجتمع فيها الناس على مودة، وفيها مرارة محتملة يعقبها نفع. فإذا جاءت فاسدة، فقد يُفهم أن ما كان يُنتظر منه الأنس أو النشاط قد فقد صلاحيته أو تأخر أوانه. وكأن الحلم يشير بلطف إلى أمر قديم في حياة الرائي كان جميلًا يومًا ثم تغيّر، أو إلى وعد لم يُوفَّ في وقته، أو إلى عادة لم تعد تنفعه كما كانت.
ذُكر عن بعض المعبرين الأقدمين أن الطعام والشراب الفاسد في المنام قد يشير إلى مال أو أمر فيه شبهة أو إلى كدر في المعيشة، وهو معنى يُنقل على سبيل العموم وبصيغة التحفظ. ولا بد من الإفصاح بأن القهوة لم تنتشر إلا في قرون متأخرة عن عصر أوائل المعبرين، فلا تجد لها ذكرًا صريحًا في أقدم الكتب، وما يُقال عنها اليوم هو من قياس المتأخرين على نظائرها. وقد اختلف المفسرون في تقدير هذه الدلالات، فمنهم من حملها على الكدر المالي، ومنهم من حملها على فتور في العلاقات، ومنهم من لم يرَ فيها إلا حديث نفس.
ومما يغيّر المعنى طريقة الفساد وسياقه. فإن كان فسادها مجرد رائحة قديمة أو طعم حامض خفيف، فهو أقرب إلى معنى أمر بسيط يحتاج إلى تجديد. وإن كان فيها عفن أو شيء ظاهر الكراهة، فقد يعبّر عن ضيق من أمر مضى وطال بقاؤه. وهل قُدّمت إليه من أحد، أم وجدها بنفسه في بيته؟ فإن وجدها بنفسه فالحلم أقرب إلى مراجعة النفس وترتيب الأمور، وإن قدمها غيره فقد يتعلق بتوقعات من الآخرين لم تتحقق كما كان يُؤمَّل.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يرمز الحلم إلى أمر قديم تأخر أو إلى فكرة لم تعد تلائمها، فتحتاج إلى أن تتجاوزها بهدوء وتفتح لنفسها بابًا جديدًا. وللمرأة المتزوجة، قد يشير إلى روتين بيتي طال حتى فقد بريقه، فتتمنى لمسة تجديد في أجواء الأسرة، أو إلى حاجة لإعادة ترتيب أولوياتها. ويرجو بعض المفسرين أن يكون في ذلك دعوة إلى الصفاء لا إلى الحزن، فتجديد الأمر الصغير يعيد البهجة إلى كثير من الأيام.
وللرجل، قد يدل على معاملة أو مشروع قديم فتر حماس صاحبه فيه، أو علاقة مهنية تحتاج إلى إحياء. وللتاجر، قد يكون تنبيهًا لطيفًا إلى مراجعة المخزون والحسابات والتأكد من سلامة البضاعة، لا على سبيل التشاؤم وإنما على سبيل الحيطة المعتادة. وللحامل، فالأحلام عن الطعام الفاسد كثيرًا ما تتأثر بحساسية الشم والتذوق في أثناء الحمل، وهي غالبًا حديث جسد لا رمزًا بعيدًا، فلا داعي لإشغال البال بها.
ومن التفاصيل التي تعين على الفهم: هل بصق الرائي القهوة أم تحمّلها؟ فمن بصقها فقد يدل ذلك على قدرته على رفض ما لا يناسبه، ومن تحمّلها قد يكون صابرًا على أمر ثقيل بلا حاجة. وهل ألقى الفنجان وأعدّ غيره جديدًا؟ فهذا يميل إلى معنى التجديد وبدء صفحة أنظف. وهل كان في المجلس من ينتقد القهوة؟ فقد يكون ذلك إشارة إلى كلام الناس أو ملاحظاتهم على أمر ما. وتبقى هذه التفاصيل قراءات خفيفة.
وفي الجانب النفسي والعملي، قد يعبّر الحلم عن شعور بأن في الحياة شيئًا آن أوان تنظيفه: غرفة تُرتَّب، أو علاقة تُصفّى، أو نية تُجدَّد، أو عادة تُستبدل بأخرى أنفع. وهو دعوة هادئة إلى ألا نتمسك بما فقد صلاحيته فقط لأنه مألوف. ويمكن للإنسان أن يترجم الحلم عمليًا بخطوة صغيرة، كأن يرتب مطبخه أو يتصل بصديق قديم أو يراجع خطته، دون أن يربط ذلك بتنبؤ عن المستقبل.
ومن الحكمة ألا يتوقف الإنسان طويلًا عند المناظر المنفّرة في الأحلام، فكثير منها يأتي من إرهاق أو طعام ثقيل أو فكرة عابرة. ولا يدل الحلم على أن أحدًا يضمر له شرًا ولا أن ضررًا قادم، فمثل هذه الظنون لا أصل لها في الرؤيا وربما أضرت بالعلاقات. والأحسن أن يستيقظ الرائي ويشرب ماء ويذكر الله ويمضي في يومه مطمئنًا، فليس كل ما يُرى في المنام رسالة.
وبعد ذلك كله، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصلح أن يكون مستندًا لقرار في المال أو العمل أو الأسرة أو الصحة. والخير في أن يقابل الإنسان ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله وبالتوكل عليه مع الأخذ بالأسباب. وما تخفيه الأيام القادمة علمه عند الله وحده، وهو الأعلم بما فيه خير عباده.
