قد يرى الإنسان في منامه أنه يشرب القهوة مع شخص يحبه، وهو مشهد مألوف تتداخل فيه المشاعر والذكريات والأماني. وكثيرًا ما تكون هذه الصورة انعكاسًا لما يشغل القلب من اشتياق أو تفكير أو أمل في علاقة مشروعة طيبة. والتفسير في أصله رمزي لا حرفي، فلا يعني أن العلاقة ستسير في اتجاه محدد، ولا ينبغي أن يُبنى عليه توقع أو قرار. ولذلك نقرؤه هنا قراءة متواضعة عامة تُبرز معاني الأنس والصراحة وحسن التواصل. وهو في الأغلب حلم لطيف لا يستدعي التوتر.
القهوة في الرموز دلالة على الضيافة وحسن الاستقبال وعلى المجالس التي يتحدث فيها الناس بصدق وهدوء. ومع من يحب القلب تتحول إلى رمز للحوار والتقارب والرغبة في فهم الآخر. وهي كذلك رمز للصبر والتأني، فالعلاقات الطيبة كالقهوة الجيدة تحتاج إلى وقت وعناية. وفي مرارتها تذكير بأن كل علاقة تمر بلحظات صعبة تتطلب حكمة وصبرًا. فالمعاني هنا تدور حول الأنس والتفاهم أكثر مما تدور حول وقائع بعينها.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين القدماء كلام عام في المجالسة والمودة وفي الأشربة، ولا يصح أن نقول إنهم تناولوا القهوة بنصوص صريحة، فقد شاع شربها في أزمنة لاحقة. ولهذا فإن أقدم كتب التعبير تقل فيها الإشارة إليها، وأغلب ما يُقال اليوم قياس واجتهاد من مفسرين متأخرين. وذهب بعضهم إلى أن مجالسة المحبوب في المنام على شراب طيب تدل على مودة وصفاء، وذهب آخرون إلى أنها قد تكون من حديث النفس. واختلف المفسرون في ذلك اختلافًا واسعًا، فلا يصح الجزم.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل، فإن كانت القهوة دافئة طيبة والجو هادئًا فهو أقرب إلى الراحة والصفاء. وإن كانت مرة جدًا أو مسكوبة أو باردة فقد يُقرأ ذلك على أنه توتر أو سوء تفاهم محتمل أو شعور بالتردد. وإن كان الحديث بينكما ودودًا فذلك يوحي بحسن التواصل، وإن كان صامتًا فقد يوحي بأن في الأمر ما لم يُقل. ولمن بادر بإعداد الفنجان دلالة على الاهتمام والعناية.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون الحلم تعبيرًا عن تفكير في شريك الحياة وعن رغبة في علاقة جادة مبنية على الاحترام والوضوح، ويُستحسن أن يكون ذلك في إطار مشروع وبإشراف الأهل. وللرجل قد يعبر عن شوق إلى الاستقرار وإلى أنس البيت. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى رغبتها في تجديد الأنس والحوار مع زوجها. وهذه كلها قراءات عامة لا تحمل وعدًا ولا حكمًا. فالأمور الحقيقية تُبنى بالسؤال والتروي والاستخارة والمشورة.
ومن الفروق الدقيقة المكان الذي جلستما فيه، فالمكان الهادئ يوحي بخصوصية وتفاهم، والمكان المزدحم قد يوحي بتشتت. ومنها هل كان الفنجان واحدًا مشتركًا أم فنجانين، وهل قدم أحدكما للآخر بحفاوة. ومنها شعور الرائي بالطمأنينة أو القلق أثناء الحلم، فهو أقوى ما يرجح الاتجاه. ومنها ما حدث بعد القهوة من انصراف أو بقاء. وكل ذلك يؤخذ على سبيل التأمل لا الجزم.
ومن الناحية النفسية فإن الحلم قد يكون ناتجًا عن كثرة التفكير في الشخص أو عن حديث دار بينكما، وهذه من أكثر أسباب الأحلام شيوعًا. والعقل يميل إلى إعادة تركيب الصور المحببة في المنام. فلا ينبغي أن يُحمَّل الحلم أكثر مما يحتمل، ولا أن يُشغل صاحبه عن واجباته. ولعل الأنفع أن يعود المرء إلى ميزان الاعتدال والوضوح في مشاعره.
وينبغي في هذا الباب أن يتذكر المرء أن العلاقات تُبنى على الصدق والعفاف والاحترام، وعلى أن يُطلب الخير من أبوابه المشروعة. وأن الأحلام الجميلة لا تغني عن الأخلاق الجميلة. فمن أراد خيرًا فليسأل الله التوفيق وليأخذ بالأسباب وليستشر أهل الرأي. وهذا أنفع من تعليق القلب بتأويل الأحلام.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن الأحلام التي تتعلق بالمشاعر تتأثر كثيرًا بما نشاهده ونسمعه خلال النهار من مسلسلات وأغانٍ وأحاديث، فتعيد النفس ترتيبها في المنام بصورة مفاجئة. ولذلك لا يُستغرب أن يظهر فنجان القهوة في مشهد عاطفي لمجرد أنه جزء من صورة ذهنية شائعة عن اللقاءات الهادئة. ومن العدل أن يعطي الإنسان نفسه مساحة للتفكير الهادئ بعيدًا عن التأويل، وأن يسأل نفسه عما يريده فعلًا من حياته ومن علاقاته.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لأي قرار حقيقي في الارتباط أو الخطبة أو غير ذلك. فالأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وأن يسأله الخير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأل الله أن يرزق كل إنسان رفقة صالحة وسكينة قلب.
