قد يرى بعض الناس في منامهم أنهم يشربون القهوة مع شخص عزيز رحل عن الدنيا، وهو مشهد يحرك في القلب شوقًا ويثير الأسئلة. وكثيرًا ما يكون هذا النوع من الرؤى ثمرة للحنين وللذكريات الجميلة التي بقيت في النفس، فتظهر صورة الحبيب الراحل في سياق مألوف كالقهوة. والتفسير في أصله رمزي لا حرفي، ولا يصح أن يُستدل منه على أمر بعينه. ونتناول الموضوع هنا بأدب ورفق، دون أي ادعاء عن حال الراحل. وتبقى مشاعر الشوق مشروعة وإنسانية.
القهوة في الرموز دلالة على الضيافة والمجالس ولمّة الأحبة، وهي مرتبطة بالذكريات في كثير من البيوت. ومع إنسان فقدناه تتحول إلى رمز للحنين والوفاء والحاجة إلى استحضار الأيام الجميلة. وفيها معنى الهدوء والتأمل في معاني الحياة وفي عبور الزمن. وفي مرارتها ما يشبه مرارة الفقد، ولكنها مرارة يخففها الدعاء والذكر الحسن. وهكذا يجتمع في الحلم معنى الحنين والتأمل.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين القدماء كلام عام في رؤية الموتى، ومدارُه عندهم على أحوال كثيرة وتفصيلات متعددة، ولا يصح أن نقول إنهم نصوا على القهوة، إذ لم تنتشر إلا في عصور متأخرة. ولهذا فما يُقال اليوم أكثره قياس واجتهاد من مفسرين جاؤوا بعدهم. وقد اختلف المفسرون في ذلك اختلافًا كبيرًا، ومنهم من نبّه إلى أن كثيرًا من هذه الرؤى مرجعه أحاديث النفس. ولذلك نتحاشى هنا أي حديث عن مصير أحد، ونكتفي بقراءة الجانب الشعوري والرمزي.
وللسياق أثر في المعنى، فإن كان المجلس هادئًا والقهوة طيبة وفي القلب سكينة فهو أقرب إلى الاطمئنان وإلى صورة الشوق الجميل. وإن كان الحلم حزينًا فقد يعبر عن لوعة الفراق وحاجة إلى البكاء والمواساة. وإن كان الراحل يقدم القهوة بوجه بشوش فقد يُقرأ رمزيًا على أنه ذكرى كرمه وطيبته. وإن كانت القهوة مرة فقد تعبر عن مرارة الفقد التي لم تجد من يخففها بعد.
وللأرملة أو لمن فقد قريبًا حديثًا قد تكون الرؤيا من أثر الحزن وما تحمله النفس من اشتياق، وهي دعوة إلى الصبر وإلى التماس السلوى بالذكر والدعاء. وللرجل الذي فقد أباه أو أخاه قد تكون الصورة تعبيرًا عن حاجته إلى حكمته ونصحه. وللابن الذي فقد أمه قد تعبر عن شوقه إلى حنانها وبيتها. وكلها قراءات نفسية رمزية عامة، لا تعدّ بشيء ولا تخبر عن شيء من أمر الآخرة.
ومن الفروق الدقيقة المكان، فإن كان بيت الراحل فالأمر مرتبط بالذكريات، وإن كان مكانًا غير معروف فقد يعبر عن حال الرائي نفسه. ومنها ما قاله الراحل أو فعله، وهل كان صامتًا أو مبتسمًا. ومنها إحساسك عند الاستيقاظ، فإن كان صافيًا فهو أفضل. ولا ينبغي تحميل أي تفصيل معنى قاطعًا، فالنفس البشرية تنسج الأحلام من خيوط الذاكرة.
ومن الناحية النفسية فإن مثل هذه الأحلام جزء طبيعي من عملية التعافي من الفقد، فهي تتيح للنفس أن تلتقي مجددًا بمن تحب في مشهد آمن. وقد يستيقظ الإنسان حزينًا أو مرتاحًا، وكلا الشعورين طبيعي ومقبول. وينفع أن يتحدث المرء عن مشاعره مع من يثق بهم، وألا يكتم حزنه، وأن يمنح نفسه الوقت الكافي للتكيف.
وأفضل ما يُقدَّم للأحباب الراحلين الدعاء لهم والصدقة عنهم وبر أصدقائهم وأهلهم وذكرهم بالخير، فهذه أعمال طيبة تنفع الحي وتبعث الطمأنينة في القلب. ولا بأس أن يجتمع الأهل على ذكر الراحل بما كان فيه من خصال حميدة. فذلك يديم صلة الوفاء ويخفف ثقل الحنين. وهو أولى من الانشغال بتحليل التفاصيل.
وقد يجد بعض الناس في هذه الرؤيا أثرًا مريحًا يدوم ساعات بعد الاستيقاظ، ويرى المفسرون المتأخرون أن هذا الشعور بالراحة قرينة تقوّي المعنى الطيب، بخلاف الرؤى التي تترك قلقًا وفزعًا. وإن شعر الرائي بالحزن الشديد فالأحسن ألا ينشغل بتفسير الحلم وأن يلجأ إلى الدعاء والصدقة وحديث الأهل. ومن الحسن أن يزور الإنسان أهل الراحل ويصلهم ويذكرهم بالجميل من أخلاقه، فذلك يخفف عليهم وعليه. وهكذا تتحول الرؤيا من مصدر حيرة إلى باب للصلة والوفاء والرحمة.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لأي قرار حقيقي أو حكم على أحد، فأمر الآخرة وحال الأموات من علم الله وحده. فالأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء والترحم وحسن الظن بالله. والغيب لا يعلمه إلا الله. نسأل الله أن يرحم موتانا وموتى المسلمين وأن يربط على قلوب أهلهم بالصبر.
