من أعذب الأحلام أن يرى الإنسان نفسه جالسًا مع أهله حول فنجان قهوة، وهو مشهد يستحضر دفء البيت ومجالس الأسرة. وكثير من الناس يرونه حين يبتعدون عن أهلهم أو يشتاقون إلى أيام جمعتهم أو يمرون بظروف تجعلهم يحتاجون إلى الأمان. والتفسير رمزي لا حرفي، فلا يعني أن لقاءً بعينه سيتم قريبًا. ولذلك نقرؤه هنا قراءة تُبرز معاني الألفة والبر وصلة الرحم من غير جزم بأمر معين. وهو في الأغلب حلم مطمئن.
القهوة ترتبط بالضيافة والكرم، وفي سياق العائلة تتحول إلى رمز للدفء والحميمية وتماسك البيت. فهي تدل على الجلسة التي يتبادل فيها الكبار والصغار الحديث والنصح والضحك. وفيها كذلك معنى المصالحة، فإن خلافات الأسرة كثيرًا ما تذوب في جلسة هادئة على فنجان. وفي مرارتها ما يذكّر بأن الأسرة التي تصبر على الشدائد تخرج منها أقوى. ولذلك يميل المفسرون المتأخرون إلى قراءة هذه الصورة قراءة متفائلة.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين القدماء كلام عام في الأهل والأقارب وفي مجالس الأسرة، ولا يصح القول إنهم فسروا القهوة بنصوص صريحة، فهي لم تنتشر إلا في عصور متأخرة. ولهذا فإن ما يُقال اليوم عنها أكثره قياس واجتهاد من متأخرين. وذهب بعضهم إلى أن اجتماع الأهل في المنام على خير يدل على ألفة ورضا وبركة، وأن الشراب الطيب في مجلسهم يدل على صفاء العلاقات. واختلف المفسرون في تفاصيل ذلك فلا نجزم.
وللسياق أثر في المعنى، فإن كان المجلس في بيت العائلة الكبير فذلك يدل على الجذور والانتماء، وإن كان في بيت الرائي فقد يدل على استقراره. وإن كان الأب حاضرًا يصب القهوة فهو رمز للرعاية والوقار، وإن كانت الأم تقدمها فهو رمز للحنان والعطاء. وإن كان بين الحاضرين من فقد الرائي صلته به فقد يرمز ذلك إلى رغبة في المصالحة. وطعم القهوة وحرارتها يضيفان دلالة، فالمعتدلة تدل على استقرار، والمحروقة قد تدل على توتر خفيف.
وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز هذا الحلم إلى بر الأهل وإلى تعلقها بأسرتها واستشارتهم في أمورها. وللمرأة المتزوجة قد يدل على حنينها إلى بيت أهلها أو على حسن العلاقة مع أهل زوجها. وللرجل قد يدل على مسؤوليته تجاه أسرته وعلى رغبته في جمع شملها. وللحامل قد يكون رمزًا إلى حاجتها إلى الدعم العائلي في هذه المرحلة. وكلها معان عامة ومحتملة.
ومن الفروق الدقيقة وجود صغار يلعبون حول المجلس، فهذا يضفي مرحًا وبركة. ومنها أن يقدم أحدهم الفنجان بإجلال لكبير السن، فذلك يعبر عن أدب واحترام. ومنها غياب أحد أفراد الأسرة، فقد يعبر عن اشتياق. ومنها الإضاءة والزينة والأطباق الجانبية، فكلما كان المشهد دافئًا مال المعنى إلى الراحة والسرور.
ومن الناحية النفسية فإن الحلم يعبر عن حاجة الإنسان إلى الانتماء والاحتضان، وهي حاجة أصيلة في النفس. وكلما بعدت المسافات أو ازدحمت الأعمال ازداد الاشتياق لهذه الجلسة الدافئة. وينفع صاحب الرؤيا أن يبادر بزيارة أهله أو الاتصال بهم، وأن يحرص على جلسة أسبوعية ولو قصيرة تجمع الأسرة. فبعض الأحلام تكون دعوة لطيفة إلى فعل الخير الذي نؤجله دائمًا.
ويحسن في هذا الباب أن يتذكر المرء فضل صلة الرحم وبر الوالدين وحسن الخلق مع الأقارب، وأن يبدأ بالكلمة الطيبة والاعتذار عند الحاجة. وفي البيوت التي يسودها الاحترام يسود الأنس والبركة. ولا بأس أن يدعو للأهل بالصحة وطول العمر والصلاح. وهذا الأثر العملي أنفع من أي تأويل.
وقد يلتفت الرائي إلى أن الأسرة ليست مجرد أفراد يجمعهم سقف واحد، بل هي ذاكرة مشتركة من القصص والعادات والوصفات والروائح التي ترافق الطفولة. ولهذا قد تحمل رائحة القهوة في الحلم شحنة من الحنين إلى أيام مضت، فيستيقظ النائم وفي قلبه دفء ممزوج بشوق. ويرى بعض المفسرين المتأخرين أن هذه الأحلام تكثر عند من يعيش بعيدًا عن وطنه أو أهله، وأنها قد تدل على حاجته إلى الاتصال بأصوله. وقد يكون من أجمل ما يفعله حينئذ أن يسجل ذكرياته مع أسرته أو يجمع صورًا قديمة يعرضها على أبنائه، فيورّث لهم الألفة التي ذاقها.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في أمور الأسرة أو الميراث أو الخلافات. فالأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأل الله أن يديم المودة بين الأهل وأن يحفظ بيوتنا بالسكينة.
