الرؤيا في المنام صور رمزية تتداخل فيها الخواطر والمشاعر والذكريات، ولا يصح أخذها على ظاهرها دون تأمل. وحين يرى النائم تمرًا أسود فقد يستوحش من اللون أول الأمر، مع أن الصورة ليست بالضرورة مخيفة، فالتمر الداكن في الواقع من ألوان النضج التام. لذلك يحسن النظر إلى الحلم بعين هادئة، وإلى بقية تفاصيله وشعور الرائي فيه. وما سيأتي قراءة عامة قابلة للاختلاف، لا قطعًا بما سيقع.
يرمز التمر عمومًا إلى الرزق الحلو والقناعة والبركة والكرم والخير الهادئ. وحين يكون أسود فإن اللون الداكن يُقرأ عند بعضهم على أنه عمق ونضج وكثافة، أي رزق ثقيل القيمة يحتاج إلى صبر وتأنٍّ. وقد يدل عند آخرين على مسؤولية كبيرة أو أمر جاد يتطلب الانتباه، دون أن يكون في ذلك تخويف. فالسواد في الحلم لا يعني بالضرورة شرًا، وإنما قد يشير إلى جدية الموقف ومتانته.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الألوان أن اللون الداكن قد يدل على الهيبة والمنزلة في بعض الصور وعلى الهم في صور أخرى، وأن الأمر يتوقف على الشيء الذي صُبغ به. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الثمر الحلو الداكن أقرب إلى المال المدخر والخير المخزون منه إلى العارض السريع. على أن ألوان التمر بالتفصيل لم تُفرد بباب واسع في الكتب القديمة، والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا فيها، ومن هنا اختلفت الاجتهادات. فلا يصح التمسك برأي واحد دون غيره.
يتغير الاتجاه كثيرًا بتغير الحال التي ظهر فيها التمر الأسود. فإن كان طازجًا لينًا لامعًا فهو أقرب إلى رزق وفير مستقر، وإن كان يابسًا جافًا فهو أقرب إلى خير مدخر يأتي في وقته. وإذا شعر الرائي بالسرور وهو يأكله فالصورة تميل إلى الرضا والقناعة، وإذا شعر بالضيق فقد يعبّر الحلم عن قلق من مسؤولية أو التزام. وللمكان أثره أيضًا، فالبيت المألوف يرجّح الاستقرار، والمكان الغريب قد يرجّح مرحلة جديدة تحتاج إلى استعداد.
إذا رأت العزباء تمرًا أسود فقد يُفسَّر ذلك بعلاقة جادة أو بقرار يحتاج إلى نضج وتفكير، لا بأمر طارئ. وإن كانت تأكل منه بارتياح فقد يدل على أمل راسخ في نفسها، وإن كانت تتردد فقد يعكس خوفها من مرحلة قادمة. وليس في الحلم وعد بشخص أو موعد محدد. فالأولى لها أن تتعامل مع الرؤيا باعتبارها دعوة إلى التروي، وأن تستشير من تثق به في شؤونها الواقعية.
وللمتزوجة قد يرمز التمر الأسود إلى استقرار الأسرة وعمق العلاقة بين الزوجين، أو إلى مسؤوليات بيتية ثقيلة تُحمل برضا. وقد يدل على رزق يُدَّخر للأيام الآتية، أو على حاجتها إلى مزيد من الاطمئنان. وإذا كانت حاملًا فالحلم انعكاس لمشاعرها، وليس نصيحة طبية ولا مرجعًا في شأن الحمل، والمتابعة مع الطبيبة هي الأصل. وكذلك الحال لمن كان يعاني مرضًا، فلا يغني الحلم عن مراجعة الأطباء.
وللرجل قد يدل التمر الأسود على عمل راسخ أو تجارة ثابتة تحتاج إلى متابعة وانضباط، أو على مال يُحفظ ويُدار بحكمة. وقد يعبّر عن مسؤولية جديدة في الأسرة أو العمل يحملها بقدر من الجدية. وإن كان في بداية طريقه فقد تعني الرؤيا أن الثمرة تحتاج إلى وقت لتنضج كاملة. أما إن كان يمر بضيق فقد تعبّر عن حاجته إلى الصبر والتخطيط المتأني.
من التفاصيل الدقيقة نظافة التمر وطعمه، فالأسود الحلو النظيف يميل إلى الخير والنفع، والمتغير الطعم قد يدل على أمر يحتاج إلى مراجعة، دون تهويل. وكذلك ما يحيط بالتمر من إضاءة، فالمشهد المضيء يخفف من وطأة اللون، والمشهد الخافت يدعو إلى التأمل. وعدد الثمار يضيف دلالة، فالقليل يعني كفافًا مقبولًا، والكثير يعني اتساعًا في الخير. وإذا كان معه أشخاص مقربون فالمعنى يميل إلى المشاركة والتعاون.
من الجانب النفسي، قد يعكس الحلم انشغال الرائي بأمر جاد يحتاج إلى عناية، أو رغبته في الأمان المادي والاستقرار. ويمكنه أن يتأمل ما الذي يستحق الاهتمام الآن، وما الذي يمكن تأجيله دون ضرر. وقد يكون للمشهد صلة بما قرأه أو شاهده قبل النوم، فلا يُعطى أكبر من حجمه. والتنظيم الهادئ للأولويات والنوم الكافي أجدى من الانشغال بتفسير كل جزئية.
وخلاصة القول أن ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُبنى عليه توقع جازم ولا قرار مصيري. والأحسن أن يحسن الرائي ظنه بالله، وأن يدعو بأن يجعل الله فيما رآه خيرًا وبركة وطمأنينة. والغيب لا يعلمه إلا الله، وإنما الرموز إشارات تُقرأ بتواضع. فليكن الرائي مطمئن القلب، عاملًا بما يستطيع، حسن الظن بربه.
