من رأى في منامه جبلًا شامخًا في الصحراء فقد رأى مشهدًا يجمع بين الرسوخ والاتساع، وهو من الصور التي توحي بالقوة والثبات. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فالجبل هنا لا يدل على جبل فعلي، وإنما قد يعبّر عن سند قوي أو هدف عظيم أو عقبة كبيرة. ويختلف المعنى بحسب ارتفاعه وقربه وما يفعله الرائي أمامه. وما يُذكر هنا قراءات عامة تُعين على التأمل ولا تقطع بأمر. ويبقى التأويل احتمالًا ظنيًا.
الصحراء ترمز إلى الخلوة والاتساع والاختبار والصبر والبحث عن الاتجاه، وقد تدل على فراغ مؤقت بحسب السياق. والجبل يرمز إلى الثبات والقوة والرفعة والسند، وقد يرمز إلى هدف بعيد أو عقبة تحتاج إلى جهد. فإذا اجتمعا فالمشهد يدل غالبًا على معلم ثابت في بيئة قليلة العلامات، أو على هدف كبير يلوح في الأفق. وقد يعبّر عن حاجة إلى الاستناد إلى أمر راسخ. وقد يعبّر عن شعور بأن الطريق يتطلب صعودًا وصبرًا.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الجبل أنه قد يدل على رجل عظيم القدر أو سلطان أو سند قوي، وأن الصعود عليه يدل على ارتفاع المنزلة بعد جهد، وأن الهبوط منه يدل على تغير في الحال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجبل يشير إلى الرجل الشامخ أو الأمر الثقيل بحسب هيئته، وأن سلامته دليل خير. وهذه أقوال عامة، وليس فيها نص خاص بالجبل في الصحراء بعينه، وتختلف آراء المفسرين في تفصيلها. فهو يُقرأ على القاعدة العامة وحال الرائي. ولا يُبنى عليها جزم بأمر.
للسياق أثر كبير، فالجبل الأخضر أو الذي في ظله عيون يدل على خير وسند، والجبل الصخري الجاف قد يدل على عقبة تحتاج إلى صبر. وإذا كان الرائي يصعده بثبات فقد يدل ذلك على سعي نحو غاية بتدرج، وإذا كان يقف أمامه متأملًا فقد يدل على هيبة أمام أمر كبير. وإذا كان الجبل بعيدًا فقد يدل على هدف بعيد المدى، وإذا كان قريبًا فقد يدل على أمر وشيك. وللجو أثر، فالصفاء يوضح المعالم والضباب يحجبها. ويُنظر إلى شعور الرائي أولًا.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة جبلًا في الصحراء فقد تُقرأ الصورة على أنها سند قوي في حياتها كأب أو أخ أو معلم، أو هدف كبير تسعى إليه. وقد تدل على تحدٍّ تواجهه يحتاج إلى خطوات صغيرة متدرجة. فإن صعدته بسهولة فهذا أقرب إلى النجاح بالتدرج، وإن تعثرت فقد يدل على حاجة إلى طلب العون. ولا يُجزم بأمر معين أو موعد. وينفعها أن تقسم هدفها الكبير إلى مراحل واضحة.
أما المتزوجة فقد يدل الجبل على زوجها أو على سند قوي في بيتها، أو على مسؤولية كبيرة تتحملها. وإذا كانت حاملًا فقد تعبّر الصورة عن حاجتها إلى الطمأنينة والسند، وليس هذا الحلم نصيحة طبية ولا خبرًا عن الحمل، والمرجع الطبيب. وأما الرجل فقد يدل الجبل عنده على مكانة أو هدف مهني كبير أو عقبة تحتاج إلى جهد. وإن كان يصعد بثبات فقد يدل ذلك على تقدم متدرج في عمله. وتبقى هذه القراءات احتمالات.
من التفاصيل الدقيقة شكل الجبل، فالمنفرد قد يدل على مكانة مستقلة، والسلسلة المتصلة قد تدل على سند جماعي. وإذا كان له ممر أو طريق واضح فقد يدل على سبيل ميسر نحو الهدف. وإذا كان عليه ثلج أو غيم فقد يدل على صفاء أو غموض مؤقت. وإن ظهرت على سفحه أشجار أو عشب فقد يدل ذلك على خير مرافق للثبات. وإن ظهر على قمته ضوء فقد يدل على أمل في الوصول، ويُنظر كذلك إلى لون الصخور، فالفاتح أقرب إلى الخفة والداكن إلى الثقل.
من الناحية النفسية قد يعكس الجبل رغبة الإنسان في الثبات والسند أو إحساسه بأن أمامه هدفًا كبيرًا. وقد يظهر عند من يخطط لمشروع كبير أو يواجه عقبة طويلة. وينفع الرائي أن يعتمد على خطة واضحة وخطوات صغيرة، وأن يطلب العون حين يحتاج. وأن يذكّر نفسه بما أنجزه قبل ذلك من أمور صعبة. وإذا غلب القلق أو الإرهاق أو الأرق فالأفضل استشارة مختص.
ومن المفيد أن يفرق الرائي بين الأحلام التي تحمل أثرًا عميقًا في نفسه وبين تلك التي تمر خفيفة، فالأولى أحق بالتأمل من الثانية. وقد يكون للجبل في الحلم صلة بمشهد رآه في سفر أو صورة شاهدها قبل النوم، فيكون الحلم امتدادًا لها. وإذا ترك المنام شعورًا بالقوة والثبات فهو أقرب إلى الخير، وإذا ترك ثقلًا فقد يكون أثرًا من الإرهاق. ولا يصح أن يُتخذ الحلم سببًا لترك عمل أو الإقدام على أمر كبير دون استشارة. والأولى أن يعود الرائي إلى واقعه بخطوات هادئة ونية حسنة.
وخلاصة القول أن الجبل في الصحراء رمز للثبات والسند والهدف الكبير، وقد يرمز أيضًا إلى عقبة تحتاج إلى صبر بحسب التفاصيل. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يثبّت خطاه. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية قد تُعين على التفكر. والله أعلم.
