رؤية الصحراء البيضاء في المنام مشهد غير مألوف عند كثيرين، فهو يجمع بين اتساع المكان وصفاء اللون. وقد يستيقظ الرائي بعدها وفي نفسه سكون عجيب أو حيرة خفيفة لا يعرف سببها. والرؤيا في عمومها رموز تحتاج إلى قراءة متأنية، وليست أخبارًا حرفية عن الغد. ولذلك فإن أنسب موقف عند رؤية هذا المنظر هو التأمل الهادئ دون استعجال في استنتاج أمر معين. وما يرد هنا احتمالات عامة يختلف أثرها من شخص إلى آخر.
اللون الأبيض في الرمزية العامة يرتبط بالصفاء والنقاء والبدايات الجديدة، كما قد يرتبط بالفراغ والصمت والصفحة غير المكتوبة. ومن ثم قد تشير الصحراء البيضاء إلى مرحلة هدوء يبتعد فيها الرائي عن الصخب ليعيد ترتيب أفكاره. وقد تعبّر عن بداية جديدة في عمل أو علاقة أو دراسة، تحتاج إلى خطة واضحة تملأ هذا الفراغ. وقد تشير أيضًا إلى شعور بالحياد وعدم الميل إلى جهة بعينها. وهذه المعاني متجاورة، والسياق وحده يرجّح أحدها.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن البياض في المنام يدل في الغالب على الصفاء وحسن الحال، وأن اختلاف الأرض والمكان يغير الوجهة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأرض الخالية قد تشير إلى سفر أو إلى انقطاع عن الناس مدة. وتتفاوت عبارات المفسرين في هذه الأبواب، ولا توجد صيغة واحدة يجتمعون عليها. كما أن الصحراء البيضاء بالذات من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، فيبقى تفسيرها قائمًا على الجمع بين دلالة اللون ودلالة المكان.
للسياق أثر كبير في الاتجاه الذي يرجح. فإذا شعر الرائي بالسكينة وهو يمشي على أرض فاتحة اللون، فقد يُفهم ذلك على أنه راحة نفسية وصفاء ذهني بعد مدة من التشويش. وإذا شعر بالوحشة أو بالتيه الذهني، فقد يكون ذلك تعبيرًا عن حاجة إلى هدف أو إلى من يشاركه الرأي. وسطوع الضوء حتى يؤذي العين قد يعبّر عن ضغط الوضوح المفاجئ، أما الضوء اللطيف فيشير إلى انفراج تدريجي. ويُنظر كذلك إلى حال الرائي في يقظته قبل الحلم بأيام.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة هذه الصحراء، فقد تعبّر عن مرحلة صفاء في التفكير بشأن المستقبل، وقد تشير إلى بداية جديدة في دراسة أو عمل أو اهتمام. وإن كان في المنام ما يدل على الوحدة، فقد تكون الرؤيا صورة لرغبة في رفقة تفهمها وتشاركها الطريق. أما المرأة المتزوجة فقد ترمز الرؤيا عندها إلى حاجة إلى هدوء وصفاء داخل البيت، أو إلى رغبة في تجديد الحياة اليومية بما يخفف الرتابة. والأمر كله تقدير عام لا يُلزم أحدًا ولا يُبنى عليه قرار.
وإذا رآها الرجل، فقد تشير إلى مرحلة إعادة ترتيب في العمل أو الأولويات، أو إلى مشروع جديد ما زال في مرحلة التصور. وقد تدل على رغبة في الاعتزال المؤقت لالتقاط الأنفاس بعد جهد طويل. وإن رأتها المرأة الحامل، فالأقرب أنها صورة نفسية تعبّر عن ترقب مرحلة جديدة وسكون ينتظر ما يأتي، وليست دليلًا على شيء يتعلق بالحمل. والحلم ليس نصيحة طبية، ومن شعرت بقلق صحي أو بتعب فمرجعها الطبيب المختص دون تأخير.
وللتفاصيل الصغيرة أثرها في الفهم. فالبياض الناعم الذي يشبه الدقيق قد يوحي بالسهولة والخفة، والبياض اللامع كالملح قد يوحي بجفاف أو بحاجة إلى الارتواء المعنوي. ووجود صخور بيضاء ذات أشكال غريبة قد يشير إلى أفكار غير مألوفة تحتاج إلى استيعاب. ومن رأى أثر أقدامه واضحًا على الأرض البيضاء، فقد يُفهم ذلك على أن خطواته ظاهرة ومحسوبة. أما اختفاء الأثر فقد يعبّر عن شعور بعدم الثبات، وكل هذا احتمال لا قطع فيه.
ومن الزاوية النفسية، يرتبط هذا المنظر أحيانًا بالتعب الذهني والرغبة في صفحة جديدة، أو بكثرة التعرض لإضاءة قوية ومشاهد بيضاء أثناء اليوم. ويفيد الرائي أن يكتب ما يريده في المرحلة المقبلة بخطوات قصيرة قابلة للتنفيذ، فذلك يملأ الفراغ بمعنى عملي. كما أن النوم الكافي والابتعاد عن المنبهات قبل الفراش يخففان كثرة الأحلام المزعجة. وإذا كان الرائي يشعر بثقل مستمر، فاستشارة مختص نفسي أمر طيب لا حرج فيه ولا عيب.
وخلاصة القول أن الصحراء البيضاء رمز يميل إلى الصفاء والبداية، وقد يشير إلى فراغ يحتاج إلى هدف حسب الصورة والشعور. وكل ما ذُكر في هذه الفقرات اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، فلا يصح الجزم به ولا التهويل منه. ومن أحسن الظن بالله ودعا بقوله: اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وافتح بابًا من الطمأنينة، كان ذلك أقرب إلى سلامة الصدر. والغيب لا يعلمه إلا الله، والعمل الصالح والتوكل أنفع من كثرة التأويل.
