يرى كثير من الناس في منامهم كلباً بلون أسود قاتم، سواء كان واقفاً بهدوء في زاوية المشهد أو متحركاً بين مشاهد الحلم المتعددة، وكثيراً ما يصاحب هذا اللون الداكن شعور أكبر بالوحشة أو الترقب عند الرائي مقارنة برؤية كلب بلون أفتح، حتى لو لم يصدر عن الكلب أي سلوك عدواني ظاهر، وهذا أمر مفهوم نفسياً بحكم ما يحمله اللون الأسود من إيحاءات مترسخة في الثقافة العامة والوجدان الجمعي، لكن ينبغي التنبه إلى أن هذا الانطباع الأولي لا يجعل من التفسير حكماً يقينياً قاطعاً، فالأمر كله يبقى في إطار الاجتهاد الظني القابل للنقاش والمراجعة من قبل أهل هذا الفن أنفسهم.
ويميل بعض المعبرين إلى ربط اللون الأسود في الأحلام عموماً بمعانٍ من الشدة أو الغموض أو الخفاء وما لا يظهر للعيان بسهولة، فإذا اجتمع ذلك مع رمزية الكلب التي تتراوح بين الصديق الحارس والعدو الصاخب والشخص المتدني الخلق، فإن الكلب الأسود قد يُفسَّر أحياناً بأنه إشارة إلى عدو خفي لا يُعرف بعد أو لم تتكشف نواياه كاملة، أو إلى موقف غامض يحتاج الرائي فيه إلى مزيد من التبصر والتروي قبل أن يتخذ قراره النهائي، بينما يرى آخرون من أهل هذا العلم أن اللون وحده لا يكفي لتغيير جوهر المعنى العام للكلب، وأن سلوك الكلب وحاله وطريقة ظهوره أهم بكثير من مجرد لونه الظاهري في تحديد المعنى المقصود.
ونُسب إلى ابن سيرين أن اختلاف ألوان الحيوانات في المنام قد يشير إلى اختلاف في طبيعة الأشخاص أو المواقف المرموز إليها من شخص لآخر، وقد ذهب بعض من نقل عنه إلى أن الكلب الأسود قد يرمز إلى شخص ذي نية غير واضحة أو أمر يحتاج كشفاً وتبيناً قبل الحكم عليه، بينما ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن العبرة الأولى في تفسير الكلب هي حاله من ألفة أو عدوان لا لونه، وأن اللون تفصيل ثانوي يُضاف إلى ذلك الأصل لا يقوم بذاته مقامه ولا يغير جوهره، وهذه اجتهادات متعددة تحتمل الأخذ والرد بحسب سياق كل رؤية على حدة، فلا حكم فيها نهائي متفق عليه بين جميع من كتب في هذا الفن قديماً وحديثاً.
فإذا كان الكلب الأسود ودوداً هادئاً، فإن الشعور بالوحشة الأولى قد يتراجع ليحل محله معنى أقرب إلى الحماية أو الصحبة رغم قتامة اللون، أما إذا كان عدوانياً ينبح أو يهاجم، فإن اجتماع اللون الداكن مع السلوك العدواني قد يعزز عند بعض المعبرين معنى العداوة الشديدة أو الخصومة المستحكمة، وهذا يوضح أن اللون عنصر مكمل للسلوك لا بديل عنه في عملية التفسير.
وفي حق الفتاة غير المتزوجة قد يشير الكلب الأسود الهادئ إلى شخص غامض الطباع لكنه غير مؤذٍ، بينما قد يشير العدواني منه إلى محاولة إساءة خفية، وفي حق المرأة المتزوجة قد يرمز إلى توتر كامن في محيطها الأسري لم يظهر بعد للعلن، أما الرجل فقد يدل الحلم على خصم يعمل من وراء ستار في عمله أو مشروعه، وبالنسبة للحامل فقد يعكس قلقاً غامضاً من أمر لم تتضح معالمه بعد، وقد يزول هذا القلق تلقائياً مع مرور الوقت دون أثر حقيقي يذكر.
ومن التفاصيل الدقيقة حجم الكلب الأسود وسلوكه العام طوال مشهد الحلم، وهل كان في مكان مضيء واضح المعالم أم في ظلام دامس يزيد من وطأة اللون وغموض المشهد، وهل صاحب ظهوره صوت نباح أو زمجرة أم كان صامتاً تماماً طوال الرؤية، وهل اقترب من الرائي أم بقي على مسافة منه طوال الوقت، فكل هذه العناصر تسهم في تعديل المعنى العام صعوداً أو هبوطاً بحسب اجتماعها مع بعضها البعض في مشهد الحلم الواحد لا بمعزل عن السياق الكامل.
وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة قد يشير الكلب الأسود الهادئ إلى شخص يحيط نفسه بالغموض لكنه غير مؤذٍ في حقيقة أمره، وللمرأة المتزوجة قد يرمز ظهوره الهادئ إلى سر عائلي مكتوم لا يشكل خطراً حقيقياً، أما إن كان عدوانياً فقد يشير إلى محاولة إساءة خفية من شخص قريب لم يكشف عن نيته بعد.
وفي الختام، لا بد من التذكير بأن هذا كله اجتهاد بشري ظني عرضة للصواب والخطأ معاً، واللون في الأحلام كغيره من الرموز يحتمل أكثر من تأويل واحد بحسب السياق المحيط به، فلا يصح أن يتحول إلى مصدر خوف دائم من الظلام أو من كل ما هو أسود اللون في الحياة اليقظة، بل الأولى بالرائي أن يتوجه بقلبه إلى حسن الظن بالله رب العالمين، وأن يعلم علم اليقين أن الغيب لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى وحده لا شريك له فيه.
