يرى بعض النائمين في منامهم كلباً بلون بني دافئ أو أشقر يميل إلى الذهبي، يظهر تارة هادئاً وتارة أخرى نشيطاً يتحرك بين عناصر المشهد، وهذه الرؤية أقل إثارة للجدل من الكلب الأسود أو الأبيض، إذ يقف لونها في منزلة وسطى بين الشدة التي قد يوحي بها الظلام والصفاء الذي يوحي به البياض، ومع ذلك فإنها تستحق وقفة تأمل هادئة كغيرها من الرؤى، مع التذكير الدائم بأن هذا العلم كله مبني على الظن والاجتهاد لا على القطع واليقين المطلق الذي لا يحتمل النقاش.
وترتبط الألوان الدافئة كالبني والأشقر في نظر بعض المعبرين بمعانٍ من الأرضية والاستقرار والواقعية، فإذا اجتمع هذا مع رمزية الكلب التي تتراوح بين الصداقة والحراسة من جهة والعداوة الظاهرة من جهة أخرى، فإن الكلب البني الهادئ قد يُفسَّر بأنه إشارة إلى شخص عادي متوازن في تعامله، لا هو بالخصم الشرس ولا هو بالصديق المبالغ في الوفاء، بل هو أقرب إلى معارف الحياة اليومية العابرة الذين يمرون بحياة الرائي دون أثر كبير يذكر في اتجاه أو آخر.
ونُسب إلى ابن سيرين أن الألوان المتوسطة بين الفاتح والداكن في الأحلام تحمل غالباً معاني متوسطة بين طرفي الخير والشر، وقد ذهب بعض من نقل عنه إلى أن الكلب الأشقر قد يرمز إلى صاحب مصلحة مشتركة مع الرائي لا صديقاً خالصاً ولا عدواً صريحاً، بينما ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الاعتبار الأهم يبقى في سلوك الكلب لا في درجة لونه، وهذه أقوال اجتهادية متفرقة يجدر التعامل معها باعتدال دون تعميم أو مبالغة في التأويل.
وتتغير هذه الدلالة المتوسطة بحسب سلوك الكلب في المشهد؛ فإن كان ودوداً هادئاً مالت كفة المعنى نحو معارف طيبة أو تعاملات نافعة يستفيد منها الرائي دون عناء كبير، وإن ظهر عدوانياً رغم دفء لونه فإن ذلك قد يشير إلى خصم لم يكن الرائي يتوقع عداوته أصلاً من شخص بدا في الظاهر عادياً هادئاً لا يثير الريبة أو الشك، وهذا يبين أن اللون الدافئ لا يضمن بذاته معنى طيباً مطلقاً كما أنه لا يوحي بشر قاطع محتوم، بل يبقى دائماً مكملاً لقراءة السلوك العام للكلب في الحلم لا بديلاً عنها بأي حال من الأحوال.
وفي حق الفتاة غير المتزوجة قد يشير الكلب البني الهادئ إلى معرفة عادية قد تتطور إلى شيء أعمق مع الوقت إن أحسنت التعامل معها، وفي حق المرأة المتزوجة قد يرمز إلى علاقات اجتماعية متوازنة في محيطها لا تثقل كاهلها ولا تنفعها كثيراً، أما الرجل فقد يدل الحلم على شريك عمل أو زميل لا يثير قلقاً ولا يستحق ثقة مطلقة في آن واحد، وبالنسبة للحامل فقد يعكس شعوراً بالحياد تجاه أمر يخصها لم يتضح موقفها منه بعد، وقد يزول هذا التردد تدريجياً مع اتضاح الأمور أكثر في الأيام القادمة.
ومن التفاصيل الدقيقة درجة اللون بين البني الفاتح والداكن، وحجم الكلب وحركته، ومكان ظهوره، وهل رافقه صوت أو كان صامتاً، فهذه التفاصيل مجتمعة تعين على تحديد الوجه الأقرب لهذه الرؤية المتوسطة التي لا تميل بذاتها إلى القطبين المتطرفين من الخير أو الشر.
ومما يزيد الصورة وضوحاً أن يلاحظ الرائي هل كان الكلب البني وحيداً أم برفقة كلاب أخرى مختلفة الألوان، فاجتماع الألوان المتعددة في مشهد واحد قد يشير عند بعض المعبرين إلى تنوع في طبائع من حول الرائي من معارف وأصدقاء، بينما ظهور الكلب البني منفرداً يوحي بتركيز المعنى على شخص أو أمر واحد بعينه دون تشتت. كما أن ملمس فرو الكلب في الحلم، ناعماً كان أو خشناً، قد يضيف عند بعضهم دلالة إضافية على طبيعة تلك المعرفة أو العلاقة المرموز إليها، أهي مريحة سهلة أم فيها بعض الخشونة والتحفظ.
ولا بأس أن يستحضر الرائي أيضاً حالته النفسية العامة وقت الرؤية، فمن كان يعيش أجواء من التردد بين خيارين متقاربين في يقظته قد يجد في هذا الكلب المتوسط اللون انعكاساً لذلك التردد بالذات، وهذا نوع آخر من أوجه التفسير التي يذكرها بعض من عُنوا بربط أحوال النفس اليقظة بمضامين الأحلام، دون أن يكون ذلك قاعدة ملزمة تنطبق على كل رائٍ بالضرورة.
وفي الختام، يبقى القول إن هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، فلا يصح أن يُبنى عليه قرار أو حكم على شخص بعينه، وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه في كل ما يراه، وأن يعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وأن الرؤى إشارات محتملة لا أحكام قاطعة على ما هو آتٍ من أقدار.
