تُعد رؤية الكلب في الشارع من أكثر مشاهد الكلاب تكراراً في المنام، إذ يرى الرائي نفسه يسير في طريق عام فيصادف كلباً أو أكثر يقف أو يمشي بجانب الطريق، فتختلف ردة فعله بين الخوف والحذر أو اللامبالاة التامة. وقبل أي تفصيل في المعنى، يجدر التنبيه إلى أن ما سيُذكر هو اجتهاد بشري ظني في تأويل الرموز، لا حكم قطعي، وأن حقيقة الغيب لا يعلمها إلا الله عز وجل، وعلى الرائي أن يأخذ من هذا الكلام ما يطمئن قلبه ويدع سائره.
والكلب في الشارع يحمل دلالة مختلفة قليلاً عن الكلب داخل البيت، فبينما يرتبط الكلب المنزلي غالباً بالحراسة والولاء الشخصي، يميل الكلب في الفضاء العام إلى الإشارة إلى أشخاص من خارج الدائرة الخاصة للرائي، أي معارف عابرين أو أشخاص يلتقيهم في طريق حياته اليومية دون أن تجمعه بهم علاقة وطيدة، وقد يكون بعضهم أصدقاء محتملين وبعضهم مصادر إزعاج أو متاعب بسيطة لا تدوم طويلاً.
وقد نُسب إلى بعض من نُقل عنهم من أهل التعبير أن رؤية كلاب الشوارع تدل على أناس من العامة يعترضون طريق الرائي في حياته اليومية، وأن نباح هذه الكلاب دون أن تعضّ يشير إلى كلام قاسٍ أو إزعاج عابر لا يترك أثراً حقيقياً، بينما إن هاجمت الكلاب الرائي وعضّته فقد يدل ذلك - بحسب اجتهادهم - على أذى فعلي يصيبه من جهة كان يظنها بعيدة عن التأثير في حياته. وهذا كله رأي محتمل لا قطع فيه.
وتختلف الدلالة بحسب عدد الكلاب المرئية؛ فكلب واحد هادئ يشير إلى شخص بعينه لا يمثل تهديداً كبيراً، بينما مجموعة من الكلاب مجتمعة قد تدل على بيئة اجتماعية بأكملها يشعر فيها الرائي بشيء من الحذر أو عدم الأمان، وقد يكون ذلك انعكاساً لمشاعره الحقيقية تجاه مكان عمله أو حيه أو دائرة معارفه في الواقع. كذلك فإن وقت الرؤيا، ليلاً أو نهاراً، له أثر؛ فالشارع المظلم المليء بالكلاب أقرب إلى دلالة القلق والتوجس، بينما الشارع المضاء الهادئ يخفف من حدة هذا المعنى.
وبالنسبة لمن يمشي وحيداً في الحلم بين هذه الكلاب دون أن يصاب بأذى، فقد يشير ذلك إلى قدرته على تجاوز عقبات اجتماعية بسلام رغم ما يحيط به من مصادر قلق ظاهرية. أما من يشعر بأنه محاصر بين الكلاب لا يجد طريقاً للنجاة، فقد يعكس ذلك شعوراً حقيقياً بالضغط الاجتماعي أو كثرة الالتزامات التي تحيط به من كل جانب في يقظته.
ومن التفاصيل الدقيقة سلوك المارة الآخرين في الحلم تجاه هذه الكلاب، فإن كانوا يتجاهلونها ويمرون بأمان فقد يشير ذلك إلى أن هذا القلق مبالغ فيه من الرائي وحده، وإن كان الجميع يحذر منها فقد يعكس ذلك خطراً مشتركاً يشعر به المجتمع المحيط بالرائي. كذلك يُنظر إلى نظافة الشارع وحالته العامة، فالشارع النظيف المرتب رغم وجود الكلاب فيه يخفف من وطأة الدلالة السلبية.
ويضيف بعض من تعمّق في هذا الفن أن مآل الحلم يُعتد به أيضاً؛ فإن انتهى المشهد بوصول الرائي إلى وجهته سالماً رغم مروره بجوار الكلاب، فذلك يدل على نجاته من متاعب عابرة يواجهها في طريقه نحو هدف يسعى إليه في يقظته. أما إن استيقظ الرائي فجأة في لحظة الخوف قبل أن يتضح مصير المواجهة، فقد يعكس ذلك قلقاً لم يُحسم بعد في نفسه تجاه موقف معين يواجهه حالياً، وهذا يستدعي منه تأملاً في أسباب هذا القلق غير المحسوم بدل الاكتفاء بتفسير الحلم وحده.
كما يُلاحظ أيضاً هل كان الرائي يعرف طريق عودته أم كان تائهاً في شارع لا يعرفه وسط هذه الكلاب؛ فمعرفته بالطريق رغم وجود الكلاب تشير إلى ثقته بنفسه في مواجهة عقبات محيطه رغم إزعاجها، بينما تيهانه في شارع مجهول يعكس حيرة أعمق تحتاج إلى وقت أطول لتُحل، وهي إشارة تستحق تأملاً هادئاً بلا تهويل.
وللمرأة سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، قد يرتبط سيرها وحيدة في شارع مليء بالكلاب بمشاعر حقيقية تخص إحساسها بالأمان في محيطها الاجتماعي أو أثناء تنقلاتها اليومية، وقد يكون الحلم دعوة لطيفة لها لأن تحيط نفسها بمن تثق بهم دون أن يعني ذلك بالضرورة خطراً حقيقياً محدقاً بها. أما الرجل الذي يرى نفسه يقود سيارته في شارع مليء بالكلاب بدلاً من السير على قدميه، فقد يختلف تأويل مشهده قليلاً لارتباطه بسرعة تنقله بين محطات حياته المهنية أكثر من ارتباطه بعلاقاته الشخصية المباشرة.
وختاماً، فإن كل هذا اجتهاد ظني قابل للنقاش، ولا ينبغي أن يورث قلقاً دائماً من التجول أو مخالطة الناس، بل الأولى أن يأخذ الرائي منه تنبيهاً لطيفاً لزيادة الحكمة في تعامله مع الغرباء، مع ردّ حقيقة الأمر إلى الله، والإكثار من الدعاء وحسن الظن به سبحانه في كل ما يعتري النفس من وساوس تجاه رؤى كهذه.
