قد يرى الإنسان في منامه أن عدوًا له غاب مدة طويلة، ثم يفكر فيه أو يسأل عنه، فيستيقظ وهو يتساءل عن معنى هذا الغياب. والأصل أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فغياب العدو في الحلم لا يدل على أن شخصًا حقيقيًا سيبتعد أو يعود. وغالبًا ما تعبر هذه الصورة عن حال الرائي النفسية بين الارتياح والترقب. ولذلك فالأولى ألا يبني عليها توقعات في علاقاته. وما يُذكر هنا قراءة تقريبية تُعرض بحذر وبلا جزم.
العدو في الرموز يشير إلى الخصومة والتحدي والاختلاف، والغياب الطويل يرمز إلى مرور الوقت وهدوء الضغط أو ربما إلى أمر مؤجل. وقد تعبر الصورة عن راحة من توتر خمد، أو عن فراغ تركته خصومة طال أمدها. وقد تعبر كذلك عن ترقب خفي لعودة المشكلة، فالذهن يظل يفتش عن العدو الغائب. وربما كانت صدى لعلاقة انقطعت دون ختام. وهذه معان رمزية لا تعني شيئًا محددًا في الواقع.
نُسب إلى ابن سيرين أن العدو في المنام يُفسَّر بحسب حاله، وأن غيابه قد يدل عند بعض المفسرين على انكشاف الهم أو زوال الخصومة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن بعد الخصم في الرؤيا قد يشير إلى سلامة وتروي. وتختلف أقوال المفسرين في هذه المعاني، ولا يصح الجزم بأحدها. وصورة العدو الذي يغيب طويلًا من الصور الأقل تناولًا في الكتب القديمة بتفصيلها، فيبقى الكلام فيها اجتهادًا يحتمل الخطأ.
للسياق أثر كبير في الفهم، فهل تحدث الرائي عن غياب العدو بارتياح أم بقلق، وهل كان الغياب معروف السبب كسفر أو انتقال أم غامضًا، وهل شعر الرائي بالأمان أم بالتحسب. فالارتياح قد يدل على خفة الضغط، والقلق قد يدل على ترقب، والغموض قد يدل على أمر لم يُحسم. ومن المفيد أن يتذكر ما سبق الحلم من انقطاع تواصل أو ابتعاد شخص مختلف معه. فالمنام قد يكون صدى لما عاشه. وبهذا الربط يصبح الفهم أقرب إلى حياته.
وقد يدل هذا المشهد عند بعض الناس على مرحلة هدوء طويلة بعد توتر، يشعر فيها الرائي بأنه استعاد توازنه لكنه ما زال يحتفظ بذكرى الخلاف. وقد يعبر عن ارتياح مشوب بحذر، لأن الغياب الطويل لا يعني أن الأمر انتهى. وقد يعني كذلك أن الرائي ينتظر ختامًا لعلاقة لم تُغلق. ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أن الطرف الآخر سيعود أو لن يعود. فالصورة تعكس شعور الرائي أكثر من دلالتها على غيره.
وقد يتصل الحلم بالعلاقات القريبة، كزميل انتقل من العمل أو جار رحل من الحي أو قريب انقطعت أخباره. وربما تأثر بصورة أو ذكرى قديمة أو اسم ورد في حوار. وفي هذه الحال قد يكون الحلم دعوة لمراجعة النفس: هل بقي في القلب شيء يحتاج إلى تصفية. ومع ذلك فلا يصح أن يتهم الرائي أحدًا بسبب منام، ولا أن يترقب عودته. والأولى أن يبقى على حسن الظن مع الحذر المعتاد.
أما التفاصيل الدقيقة فلها دلالات تقريبية، فإذا كان الغياب مصحوبًا بهدوء وراحة فقد يُقرأ ذلك على أنه سلام، وإذا كان مصحوبًا بقلق وتساؤل فقد يدل على ترقب. وكذلك مدة الغياب في الحلم، فالسنوات قد تشير إلى مرحلة قديمة، والشهور إلى أمر أقرب. ووجود شخص مقرب يتحدث مع الرائي عن الغائب قد يفسَّر بوجود سند. وتبقى هذه الإشارات ظنية لا تبلغ حد اليقين.
ومن الجانب العملي والنفسي، ينفع أن يستثمر الرائي فترة الهدوء في بناء حياته وعلاقاته الطيبة، وألا يقضيها في ترقب عودة الخلاف. وإذا بقي في قلبه شيء من الغضب القديم فيمكنه أن يخففه بالتأمل أو بالكلام مع شخص موثوق. وضبط الانفعال عند أي عودة للتوتر يحمي من اتساع الخلاف. وهذا الحلم ليس نصيحة قانونية أو أمنية، وإذا واجه الرائي في الواقع تهديدًا حقيقيًا أو مضايقة فعلية فعليه إبلاغ الجهات المختصة أو شخص موثوق دون تأخير. وإذا طال القلق فلا بأس بمشورة مختص.
ومما يفيد أيضًا أن يسأل الرائي نفسه لماذا يعود هذا الشخص إلى خاطره بعد طول الغياب، فقد يكون السبب مناسبة أو ذكرى أو مشاعر لم تُغلق. فإن كانت مشاعر لم تُغلق فربما احتاج إلى إغلاقها بكتابة أو كلام أو دعاء أو سماح من القلب. وليس من اللازم أن يتصل بالشخص ليغلق الصفحة. فكثير من الخلافات تُغلق في الداخل قبل الخارج. وهكذا يتحول المنام إلى فرصة لفهم النفس وحسن التدبير.
وفي الختام، فإن هذا الكلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن النظر في حال الرائي وواقعه. فالأولى أن يحسن الظن بالله ويدعوه بأن يصلح ما بينه وبين الناس ويمنحه السكينة. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُبنى على المنام أمل مفرط ولا خوف. وليكن الهدوء وحسن الظن والكلمة الطيبة زادًا له.
