قد يرى الإنسان في منامه عدوًا يقترب منه شيئًا فشيئًا ثم يبتعد دون أن يصل إليه، فيستيقظ وهو يتساءل عن دلالة هذا المشهد. والأصل أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فالاقتراب والابتعاد في الحلم ليسا خبرين عن حدث حقيقي. وهذه الصورة كثيرًا ما تعبر عن حركة مشاعر داخلية بين الترقب والارتياح. ولذلك فالأولى ألا يبني الرائي عليها موقفًا من أحد من الناس. وما يُذكر هنا قراءة تقريبية تُعرض بحذر وبلا جزم.
العدو في الرموز يشير إلى الخصومة أو التحدي أو المنافسة، والاقتراب يرمز إلى اشتداد الإحساس بالمشكلة، والابتعاد يرمز إلى خفة الضغط. وقد تكون هذه الصورة تعبيرًا عن توتر مرّ بالرائي ثم هدأ، أو عن قلق من مواجهة لم تحدث. وربما عبرت عن صراع داخلي بين الرغبة في مواجهة أمر والميل إلى تأجيله. وليس فيها ما يدعو إلى الفزع، فهي أقرب إلى صورة لحركة النفس. والأقرب أن تُقرأ في ضوء ما يمر به الرائي من أحداث.
نُسب إلى ابن سيرين أن العدو في المنام يُفسَّر بحسب حاله، فإذا انصرف عن الرائي دون أذى فقد يدل ذلك عند بعض المفسرين على انكشاف الهم وخفة الخصومة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ابتعاد الخصم قد يحمل معنى السلامة والتروي. وتختلف أقوال المفسرين في ذلك، ولا يصح الجزم بأحدها. وصورة العدو الذي يقترب ثم يبتعد على وجه الخصوص أقل تناولًا في الكتب القديمة من صورة العدو المجردة، فيبقى الكلام فيها اجتهادًا يحتمل الخطأ.
للسياق أثر كبير في الفهم، فهل كان الاقتراب بطيئًا أم سريعًا، وهل شعر الرائي بالخوف عند الاقتراب وبالارتياح عند الابتعاد، وهل كان المكان بيتًا أو طريقًا أو مكان عمل. فكل عنصر يعطي إشارة إلى ميدان القلق وإلى طريقة تعامل الرائي معه. ومن المفيد أن يتذكر ما سبق الحلم من موقف توتر ثم هدوء، أو ترقب لقاء ثم تأجيله. فالمنام قد يكون صدى لما عاشه في اليقظة. وبهذا الربط يخف أثر الصورة في النفس.
وقد تدل هذه الصورة عند بعض الناس على خلاف مرّ بمرحلة اشتداد ثم تراجع، أو على موقف كاد يتفاقم ثم هدأ بكلمة أو بمرور الوقت. وقد تعبر عن الشعور بالارتياح حين يزول ضغط كان يخيم على الأيام. وقد تعني كذلك أن الرائي ما زال يحتاط من عودة التوتر. ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أن أحدًا بذاته سيعود أو يبتعد. فالصورة رمزية تدل على حال النفس لا على حال الآخرين.
وقد يتصل الحلم بالعلاقات القريبة، كزميل أو قريب أو جار يمر الرائي معه بفترة فتور ثم عودة. وقد يتأثر بحوار انتهى بلا حسم أو بمحادثة كانت على وشك أن تتحول إلى جدال ثم انتهت. وفي هذه الحال قد يكون الحلم دعوة لاغتنام الهدوء الراهن في إصلاح ما يحتاج إلى إصلاح. ولا ينبغي أن يتحول إلى سبب لسوء الظن بأحد. فالحلم وسيلة لفهم النفس لا لمحاسبة الناس.
أما التفاصيل الدقيقة فلها دلالات تقريبية، فإذا كان العدو يبتعد مبتسمًا أو هادئًا فقد يُقرأ ذلك على أنه زوال الخلاف بسلام، وإذا كان يبتعد غاضبًا فقد يدل على توتر لم يُحسم تمامًا. ووجود شخص مقرب إلى جانب الرائي أثناء الاقتراب قد يفسَّر بوجود سند. وكذلك شعور الرائي بعد الابتعاد، فالارتياح يدل على خفة الضغط والقلق يدل على بقاء الترقب. وتبقى هذه الإشارات ظنية لا تبلغ حد اليقين.
ومن الجانب العملي والنفسي، ينفع أن يستغل الرائي فترة الهدوء في ترتيب أموره والتكلم بلطف مع من يحتاج إلى توضيح، وألا يؤجل الحوار الضروري إلى أن يشتد الخلاف. وضبط الانفعال عند أول بوادر التوتر يمنع اتساعه، والإصغاء إلى الطرف الآخر يفتح أبواب التفاهم. وهذا الحلم ليس نصيحة قانونية أو أمنية، وإذا واجه الرائي تهديدًا حقيقيًا أو مضايقة فعلية فعليه إبلاغ الجهات المختصة أو شخص موثوق دون تأخير. وإذا تكرر القلق فلا بأس بمشورة شخص ذي خبرة.
ومن الأمور المفيدة هنا أن يتأمل الرائي ما تغير في داخله بين مرحلة الاقتراب ومرحلة الابتعاد، فما الذي جعل الصورة تهدأ في المنام. فقد يكون الجواب أن بعض المخاوف تتضخم حين تقترب منها بالتفكير وتصغر حين تتركها تمر. وقد يكون أن الأمر المقلق كان أخف مما ظن. ويمكنه أن يستفيد من هذا المعنى في يقظته فلا يمنح الأمور العابرة أكثر من حجمها. وفي المقابل يبقى الاستعداد الهادئ للمواجهة، إن لزمت، أفضل من الهروب منها أو تأجيلها بلا نهاية.
وفي الختام، فإن هذا الكلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن النظر في حال الرائي وواقعه. فالأولى أن يحسن الظن بالله ويدعوه بأن يمنحه السكينة ويبعد عنه الهم. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُبنى على المنام خوف ولا اطمئنان مفرط. وليكن الهدوء وحسن الظن والكلمة الطيبة زادًا له في أيامه.
