قد يرى الإنسان في منامه خصمًا له وهو يتصالح مع شخص آخر ويتصافحان بعد خلاف، فيجد في نفسه مزيجًا من الارتياح والدهشة وربما الغيرة. والأحلام لغة رمزية، وهذا المشهد لا يدل على علاقة حقيقية بين شخصين ولا على موقف سيقع. وإنما قد يعبّر عن رغبة الرائي في أن تهدأ الخصومات من حوله، أو عن تأمله في إمكان الصلح. ولذلك ينبغي استقباله بهدوء وتأمل. وما يلي قراءة محتملة تتعدد فيها الأوجه.
العدو في لغة الرؤيا يرمز إلى الخصومة والتحدي والخلاف، وقد يعبّر عن قلق من منافسة أو من علاقة متوترة. وتصالحه مع غيره قد يرمز إلى أن الخلافات ليست دائمة وأن التوتر قد يزول، وهو معنى مطمئن للرائي نفسه. وقد يدل على شعور بالاستبعاد إذا ظن الرائي أن الآخرين يتفقون في غيابه. وقد يكون صورة لصراع داخلي يميل نحو السلام. ولا يصح الجزم بأن الصلح بين شخصين حقيقيين سيحصل أو أنه موجه ضد الرائي، فالمشهد يخص حال النفس.
نُسب إلى ابن سيرين أن الصلح في الرؤيا قد يُحمل على زوال الخصومة والانفراج بحسب حال المتصالحين، وأن اجتماع الخصوم على الألفة يُنظر فيه بحسب موقع الرائي منهم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يقع من ائتلاف بعد اختلاف في الرؤيا قد يشير إلى تحسن الأحوال بين الناس بحسب الصورة. ويختلف المفسرون في ذلك، فبعضهم يحمله على الخير العام وبعضهم يقيده بحال الرائي. كما أن هذه الصورة المحددة، عدو يتصالح مع غيره، أقل تناولًا في الكتب القديمة بشكل صريح. فتبقى الأقوال إشارات عامة للاستئناس.
وللسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كان الرائي سعيدًا بالمشهد فقد يدل ذلك على صفاء نية وميل إلى السلام، وإذا شعر بالانزعاج فقد يدل على حساسية من الانفراد أو التهميش. وإذا شارك في الصلح فقد يُقرأ ذلك بدور إيجابي في علاقاته، وإذا بقي متفرجًا فقد يدل على رغبة في الأمان. وإذا كان المكان مألوفًا فقد يتصل المعنى بمجال معروف من حياته. ولمشاعره في الحلم أثر كبير.
وللفتاة العزباء قد يعبّر المنام عن أمل في أن تصطلح الأطراف المتخاصمة في محيطها، أو عن خوف من أن تتغير تحالفات الصداقة فتُترك. وقد يرتبط بمقارنة نفسها بالآخرين. وللمتزوجة قد يرتبط بمصالحات عائلية قد تقع بين الأقارب، وما يرافقها من شعور بالارتياح أو بالتحفظ. وقد يعكس رغبتها في أجواء أسرية أهدأ. ويفيد في الحالتين مباركة الصلح من القلب دون مقارنات.
أما الرجل فقد يرتبط المنام عنده بمنافسين في العمل أو الأسرة يتفقون بعد خلاف، وما يثيره ذلك فيه من أمل أو قلق من أن يتشكل تحالف جديد. وقد يعبّر عن تمنٍّ بأن تتحول الأجواء إلى تعاون. والتاجر قد يرى فيه صدى لتعاون بين منافسين في السوق. وقد يحمل المنام عند من يمر بخلاف معنى الأمل في أن يلين الجفاء. ولا ينبغي أن يُبنى على الحلم استنتاج عن نوايا أحد.
ومن التفاصيل الدقيقة طريقة الصلح، أبمصافحة أم عناق أم كلمات، وهل يشارك فيه الرائي أم يشاهده، وما إذا كان العدو يلتفت إليه بعد ذلك. فالمصافحة قد تدل على اتفاق بسيط، والعناق على صفاء أعمق، والكلمات على حوار ناجح. وإذا التفت العدو إلى الرائي بابتسامة فقد يُقرأ ذلك بانفتاح محتمل. وإذا لم يلتفت فقد يدل على أن الأمر لا يخصه. وكل ذلك تأويلات محتملة لا أكثر.
ومن المناسب أن يتذكر الرائي أن ارتياحه لصلح غيره دليل خير في داخله، وأن انزعاجه منه لا يعني سوءًا وإنما حساسية قابلة للفهم. فالإنسان قد يخشى أن يضعف موقعه حين يتقارب الآخرون، وهذا الخوف شائع. وخير ما يُفعل أن يترجم الرائي هذا الشعور إلى انفتاح هو نفسه على التقارب، فيمد يده بكلمة طيبة لمن حوله. وبهذا تقوى العلاقات ويقل الشعور بالإقصاء. وليس ذلك صعبًا على من أحسن الظن.
عمليًا ونفسيًا، يفيد الرائي أن يبارك الصلح بين الناس، وأن يحرص على بناء علاقاته على الصدق والاحترام. ويفيده ضبط الانفعال والتخلص من المقارنات وطلب رأي شخص موثوق عند الحيرة. ويُذكَّر بأن الحلم ليس نصيحة قانونية أو أمنية، فإن كان هناك تهديد حقيقي أو مضايقة فعلية فيجب إبلاغ الجهات المختصة أو شخص موثوق. وإذا استمر القلق الشديد أو الإحساس بالإقصاء فمن المناسب التحدث مع مختص. فالمشاركة في الخير تضاعف الراحة.
وهذا اجتهاد بشري ظني، لا يُجزم به، وقد يتغير من رائٍ إلى آخر. وليحسن الرائي الظن بالله، وليدعُ بجمع الشمل وصلاح الأحوال وصفاء القلوب. فالدعاء يملأ الصدر رضا وسلامًا. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما يراه النائم لا يعدو أن يكون إشارة محتملة. اللهم ارزق عبادك التآلف والتسامح.
