من المشاهد اللافتة أن يرى الإنسان في منامه خصمًا يشبهه تمامًا في الشكل والهيئة، فيشعر بالغرابة والحيرة. والأحلام لغة رمزية، ومثل هذا المشهد يغلب أن يُقرأ على أنه مرآة للنفس لا صورة لإنسان آخر. فليس فيه ما يدل على خطر ولا على حدث مرتقب، وإنما قد يشير إلى ما يدور داخل الرائي من تجاذب بين دوافع مختلفة. ولذلك يحسن الاستقبال الهادئ لهذا المنام والتأمل فيه دون خوف. وما يلي قراءة محتملة تتفاوت بتفاوت الأحوال.
العدو في لغة الرؤيا يرمز إلى الخصومة والتحدي والخلاف، وقد يعبّر عن قلق من منافسة أو من توتر لم يُحسم. وحين يشبه العدو الرائي فإن الخصومة تنتقل من الخارج إلى الداخل، فتصبح صراعًا بين رغبتين أو صفتين أو قرارين. وقد يدل ذلك على أن الرائي يخوض معركة هادئة مع تردده أو مع عادة يريد تركها أو مع انتقاد داخلي قاسٍ يوجهه إلى نفسه. وقد يعكس كذلك شعورًا بأن جانبًا منه يعارض ما يقوم به. وليس في المشهد اتهام لأحد، فالخصم هنا هو الرائي في صورة أخرى.
نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية الإنسان لنفسه في صورة أخرى أو في هيئة تخالف حاله يُنظر فيها إلى ما يخصه من أحوال وتغيرات، وأن لهيئة الصورة وحالها أثرًا في التأويل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الإنسان لنفسه قد تدل على ما يخص حاله وأمر دينه ودنياه بحسب ما يراه عليه من هيئة. وتختلف آراء المفسرين في هذا الباب اختلافًا كبيرًا، فبعضهم يميل إلى التفاؤل وبعضهم إلى المحاسبة. كما أن هذه الصورة المحددة، أي عدو يشبه الرائي، أقل تناولًا في الكتب القديمة بشكل صريح. فتبقى هذه الأقوال إشارات عامة تُستأنس بها.
وللسياق أثر كبير في الفهم. فإذا كان الشبيه هادئًا فقد يدل على صراع داخلي خافت، وإذا كان غاضبًا فقد يعبّر عن توتر نفسي مكبوت. وإذا تحدث الشبيه بكلام ينتقد فيه الرائي فقد يدل ذلك على صوت داخلي ناقد يحتاج إلى ترويض. وإذا كان الشبيه يسخر فقد يرتبط بالشك في النفس. وإذا انتهى المشهد بتقبل متبادل فقد يُقرأ ذلك بتصالح مع النفس. ولمشاعر الرائي في الحلم وزن، فالدهشة تختلف عن الخوف.
وللفتاة العزباء قد يعبّر المنام عن حيرة بين رغبتين، كأن تنشد الاستقلال وتخشى فقدان الأمان، أو تريد خطوة وتخشى انتقاد الناس لها. وقد يرتبط بنقد ذاتي زائد على الحد. وقد يعكس مرحلة تبحث فيها عن هويتها وقراراتها. وللمتزوجة قد يرتبط بالتوازن بين شخصيتها كفرد وأدوارها كزوجة وأم، وما يصاحبه من شعور بالانقسام. وقد يدل على حاجة إلى وقت خاص لنفسها. ويفيد في الحالتين تدوين المشاعر وتخصيص وقت للراحة.
أما الرجل فقد يرتبط المنام عنده بتجاذب بين متطلبات العمل واحتياجات الأسرة، أو بين طموحه وخوفه من المخاطرة. وقد يعكس نقدًا لنفسه على قرار سابق. والشاب قد يرى فيه صدى لمرحلة اختيار الطريق وتشكّل الشخصية. وقد يحمل المنام عند من يمر بتغيير كبير معنى الانتقال بين حالين. وإذا كان الرائي هادئًا أمام شبيهه فقد يدل ذلك على قدرة على فهم نفسه. ولا ينبغي الانغماس في الأوهام حول هذا المشهد.
ومن التفاصيل الدقيقة الفروق الصغيرة بين الرائي وشبيهه، كالثياب أو الابتسامة أو نبرة الصوت. فالفرق في الثياب قد يدل على اختلاف الأدوار الاجتماعية، وفي الابتسامة على اختلاف الحالة المزاجية، وفي الصوت على اختلاف ما يقال وما يُشعر به. وإذا اتحد الاثنان في آخر الحلم فقد يُقرأ ذلك بتكامل داخلي وسكينة. وإذا ابتعد الشبيه فقد يدل على رغبة في الانفصال عن صفة محددة. وكل هذا تأويلات محتملة لا جزم فيها.
عمليًا ونفسيًا، يفيد الرائي أن يسأل نفسه عن القرار أو الصفة التي تشغله، وأن يعامل نفسه برفق كما يعامل صديقًا عزيزًا. ويفيده الحوار الهادئ مع شخص موثوق، والكتابة عن مشاعره، وضبط الانفعال عند اتخاذ القرارات. ويُذكَّر بأن الحلم ليس نصيحة قانونية أو أمنية، فإن كان هناك تهديد حقيقي من أي شخص أو مضايقة فعلية فيجب إبلاغ الجهات المختصة أو شخص موثوق. وإذا استمر القلق الشديد أو الإحساس بالانقسام الداخلي فمن المناسب التحدث مع مختص. فالتصالح مع النفس أساس لكل تصالح آخر.
وهذا اجتهاد بشري ظني، لا يُجزم به، وقد يتغير من رائٍ إلى آخر. وليحسن الرائي الظن بالله، وليدعُ بصلاح النفس واستقامة القلب وسكينة الخاطر. فالدعاء يهدئ ما في الداخل من اضطراب. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما يراه النائم لا يعدو أن يكون إشارة محتملة. اللهم أصلح لعبادك ما بداخلهم وما حولهم.
