رؤية العدو وهو يصافح الرائي في المنام مشهد يحمل دفئًا غير متوقع، فاليد الممدودة من خصم تترك أثرًا في النفس وتثير تساؤلات كثيرة. والرؤيا لغة رمزية وليست نقلًا حرفيًا لما سيجري في اليقظة، فمصافحة الخصم في الحلم لا تعني أن لقاءً قريبًا سيحدث ولا أن الخلاف انتهى. وقد تكون صورة لرغبة الرائي في الهدوء وإنهاء التوتر، أو لتحسن شعوره تجاه أمر كان يؤرقه. فالأولى أن يُقرأ المشهد بتفاؤل متزن وواقعية.
المصافحة في لغة الرؤى رمز للاتفاق والتقارب وإقرار حالة من التفاهم، وحين تكون مع عدو فإنها تشير غالبًا إلى احتمال تهدئة الخلاف أو إلى استعداد داخلي لتقبل الآخر. وقد تدل على صراع داخلي لان بعد شدة، أو على قرار بإعطاء فرصة جديدة. وقد تعبّر عن رغبة في هدنة في علاقة متعبة. وليس في المشهد اتهام لأحد ولا ادعاء بأن الخصم قد غيّر موقفه فعلًا، فالرمز يخص نفس الرائي. ويبقى الأصل أن تكون المواقف في اليقظة مبنية على الأفعال الظاهرة لا على الأحلام.
نُسب إلى ابن سيرين أن مصافحة الخصم في المنام قد تُحمل على اجتماع بعد فرقة أو على لين في الأمر، وأن قوة المصافحة ودفأها يزيدان الدلالة وضوحًا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المصافحة بين المختلفين قد تشير إلى سكون الأمور، وقد يُفرَّق فيها بين مصافحة صادقة ومصافحة متكلفة. وتختلف آراء الشراح في هذا، فبعضهم يراها بشرى وبعضهم يراها دعوة إلى التثبت. والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة، ومنها هذا المشهد بتفاصيله، فيحتاج الأمر إلى اجتهاد. ولهذا تُعد الأقوال هنا دلالات محتملة لا قاطعة.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كانت المصافحة دافئة مع ابتسامة وكلام لطيف، فقد تُحمل على انفراج محتمل، وإن كانت باردة سريعة فقد تدل على مجاملة أو ترقب. وإن كان الرائي هو من مد يده أولًا فقد يعبّر عن استعداد للمبادرة، وإن كان العدو هو البادئ فقد يعبّر عن حاجة إلى أن يُبادَر إليه. ومكان المصافحة مهم، فاللقاء العلني يختلف عن اللقاء الخاص. ومن المفيد أن يتأمل الرائي شعوره: راحة، أم تحفظ، أم دهشة؟
إذا رأت العزباء أن عدوها يصافحها، فقد يرتبط ذلك بتحسن في علاقة مع زميلة أو قريبة، أو بميل إلى تقبل الآخرين رغم الاختلاف. وقد يدل على استعداد لتجاوز بعض الجفوة. وإن شعرت بالتحفظ فقد يكون ذلك حذرًا طبيعيًا يدعوها إلى التأني. ويُستحسن أن تُظهر لطفًا في الواقع دون أن تتخلى عن حدودها، وأن تترك للعلاقة وقتها لتتضح. وأن تستشير من تثق به إن ظل الأمر يشغل بالها.
أما المتزوجة فقد يعبّر المشهد عندها عن تقارب بعد جفوة مع أقارب أو جيران، أو عن رغبة في تلطيف الأجواء داخل الأسرة. وقد يدل على أنها تميل إلى بناء جسور مع من اختلفت معهم. وأما الرجل فقد يتجه التأويل عنده إلى اتفاق محتمل في عمل أو تجارة بعد منافسة، أو إلى فتح صفحة جديدة مع خصم قديم. وفي الحالين لا بأس بالتفاؤل، لكن من الأفضل أن يبقى الرائي واقعيًا فلا يترتب على الحلم التزام أو وعد. فالأمل المتزن أفضل من الاطمئنان المطلق.
من التفاصيل الدقيقة ما يستحق النظر: هل كانت اليد قوية أم مترددة؟ وهل طالت المصافحة أم كانت قصيرة؟ وهل صحبها كلام أو نظر؟ فالمصافحة الطويلة الدافئة قد تُحمل على صفاء، والقصيرة المتحفظة على ترقب. وإن كانت اليد باردة أو مرتجفة فقد يدل ذلك على قلق عند الطرفين. ووجود حاضرين يشهدون المصافحة قد يدل على أن الأمر معلن أو متعلق بجماعة. كما يُنظر إلى لباس العدو وهيئته، فالنظافة والهدوء يميلان إلى الطمأنينة. وتبقى هذه قراءات يختلف فيها الناظرون.
عمليًا يمكن أن يكون الحلم دعوة لتجربة تهدئة صغيرة في الواقع، كتحية لطيفة أو عبارة تقدير أو سؤال عن الحال، دون تكلف أو توقعات كبيرة. والإنصات الجيد وضبط الانفعال وعدم استعجال النتائج تحفظ العلاقة من التوتر. وليس الحلم نصيحة قانونية أو أمنية، فإن وُجد تهديد حقيقي أو مضايقة فعلية فالأولى إبلاغ الجهات المختصة أو شخص موثوق ولو ظهر الخصم ودودًا في المنام. وإذا استمر القلق الشديد من هذه العلاقة، فمن المناسب الكلام مع مختص.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُقصد به الجزم بتقارب قادم ولا بنية أحد. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالصفاء وراحة البال، وأن يحسن الظن به وبعباده. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا تُبنى على مصافحة في المنام قرارات حاسمة. وما بدأ بيد ممدودة في الحلم قد يستمر بكلمة طيبة صادقة في اليقظة، والله أعلم.
