يحتل حلم الطيران مكانة خاصة بين الأحلام التي يرويها الناس بشغف، لما يحمله من إحساس نادر بالخفة والانطلاق بعيدا عن ثقل الواقع وقيوده، وغالبا ما يرتبط في أذهان كثير من المفسرين بمعاني التوفيق وبلوغ المراد، وإن كان لا يخلو أحيانا من إشارات إلى تمنيات يصعب إدراكها أو رغبة داخلية في الهروب من ضغوط الحياة اليومية. ويبقى لكل رؤية طيران طابعها الخاص بحسب الصورة التي رافقت الحلم وشعور الرائي أثناءه.
يرى ابن سيرين أن الطيران في المنام يدل على كثرة التمني، وأن من طار بلا جناح فإنه ينال من أمنيته بقدر ما علا في طيرانه، فكلما ارتفع الرائي أكثر دل ذلك على قرب بلوغه ما يصبو إليه. ويربط النابلسي الطيران بالرقي في العلم أو المنصب لمن كان مستحقا لذلك، بينما يرى أن طيران من لا نية سفر له قد يشير إلى فراغ أو توقف عن العمل، وتبقى هذه القراءات الأساس العام الذي ترجع إليه أغلب تأويلات هذا الحلم.
أما إحساس الجسد بالضخامة أثناء الطيران فهو من الصور التي لم ترد بنص خاص عند المفسرين القدامى، ولذلك يُقرأ اليوم في إطار عام أقرب إلى الرمزية النفسية الحديثة. ويمكن أن يعكس هذا الإحساس شعورا داخليا بالقوة أو بثقل المسؤوليات التي يحملها الرائي، فالضخامة قد تحمل في طياتها معنيين متقابلين: إما إحساسا بالقدرة والسيطرة على مجريات حياته، أو شعورا بأن أعباءه أصبحت أكبر من طاقته على حملها وهو يحاول رغم ذلك أن يرتفع بها. ولا يقتصر هذا التأويل على جانب واحد، إذ قد يكون الإحساس بالضخامة أثناء التحليق تعبيرا عن مرحلة يجد فيها الرائي نفسه فجأة في موضع يستدعي منه حضورا أكبر مما اعتاده، فيشعر بأن كل من حوله ينظر إليه بعين مختلفة، وهو ما قد يبعث الارتياح تارة والحيرة تارة أخرى بحسب استعداده النفسي لهذا التحول.
وقد تشير هذه الرؤيا أيضا إلى مرحلة يشعر فيها الرائي بأن مكانته أو تأثيره في محيطه قد اتسع، وأنه أصبح محط أنظار من حوله بشكل أكبر من ذي قبل، سواء في العمل أو داخل الأسرة أو المجتمع. غير أن استمرار هذا الإحساس بالضخامة قد يحمل أيضا تحذيرا لطيفا من الغرور أو المبالغة في تقدير الذات، فالحلم بهذا الشكل يستدعي التأمل في توازن الرائي بين الثقة المطلوبة والتواضع الذي يحفظه من الزلل.
وبالنسبة للفتاة العزباء فقد تعبر هذه الرؤيا عن شعورها بأنها أصبحت أكثر قوة وثقة بذاتها في مرحلة معينة من حياتها، وربما تعكس استعدادها لتحمل مسؤوليات جديدة تخصها كالدراسة أو العمل أو قرار مصيري تنتظره، وقد تكون دعوة لها لتستثمر هذه الثقة المتنامية دون أن تنزلق إلى التعالي على من حولها.
وقد تدل هذه الرؤيا لدى المرأة المتزوجة على اتساع دورها داخل أسرتها وزيادة مسؤولياتها، سواء في تربية الأبناء أو إدارة شؤون بيتها، وقد يكون الحلم انعكاسا لإحساسها بأنها أصبحت ركيزة أساسية يعتمد عليها من حولها، وهو أمر إيجابي ما دام مصحوبا بشعور من الارتياح لا بثقل يرهقها.
أما الحامل فقد يعكس هذا الحلم إحساسها الطبيعي بالتغيرات التي يمر بها جسدها خلال هذه المرحلة، وقد يمتزج هذا الإحساس بمشاعر القوة والاستعداد لاستقبال مرحلة الأمومة، وهي مشاعر شائعة لدى كثير من الحوامل ولا تستدعي قلقا زائدا فهي غالبا ترجمة لما تعيشه الحامل من تحولات جسدية ونفسية متوقعة.
أما الرجل فقد تشير هذه الرؤيا إلى اتساع نفوذه أو مسؤولياته في عمله أو محيطه الاجتماعي، وقد تكون بشارة بمكانة أعلى ينالها بجهده، لكنها في الوقت ذاته تذكير له بضرورة أن يوازن بين طموحه المتنامي وتواضعه في التعامل مع من حوله حتى لا يتحول شعوره بالقوة إلى تعال يبعد عنه محبة الناس.
وتختلف دلالة هذا الحلم بحسب تفاصيله الدقيقة، فهل كان الشعور بالضخامة مريحا يبعث الطمأنينة أم كان مقلقا يشبه الثقل الذي يعيق الحركة؟ وهل استمر الطيران بثبات رغم هذا الإحساس أم تعثر بسببه؟ فكل هذه التفاصيل تصنع فارقا حقيقيا في قراءة الرؤيا ولا يمكن تعميم معنى واحد على جميع من يرون هذا الحلم. كما أن طبيعة المكان الذي يحلق فوقه الرائي، وما إذا كان محيطا مألوفا له أو مكانا غريبا لا يعرفه، يضيف بعدا آخر يستحق أن يُراعى عند محاولة ربط الرؤيا بظروف حياته الفعلية.
وأخيرا، فإن كل ما سبق هو اجتهاد بشري ظني في قراءة الرموز، وليس علما يقينيا يجزم بمصير أو قدر، ولا ينبغي أن يكون أساسا لقرار كبير في حياة الرائي. والأولى بصاحب الرؤيا أن يتوجه إلى الله بالدعاء وطلب الخير والطمأنينة، وأن يترك القلق الزائد جانبا، فالرؤى في غالبها انعكاس لحال النفس أكثر من كونها إخبارا قاطعا عما هو آت.
