يشكل ضوء النهار في المنام خلفية مختلفة تمامًا عن ظلام الليل، فالنهار يقترن غالبًا في رمزية الأحلام بالوضوح والعلانية والنشاط، وحين يرى الرائي نفسه يطير في وضح النهار، تحت سماء مضيئة يرى فيها كل ما حوله بجلاء، فإن هذا المشهد يحمل طابعًا مختلفًا عن الطيران الليلي الغامض، إذ يميل إلى الإيحاء بأمور معلنة وواضحة أكثر من كونها خفية أو مكتومة.
ولم يخصص المفسرون القدامى كابن سيرين حديثًا منفصلاً عن الطيران في النهار تحديدًا، بل جاء كلامهم عن الطيران عامًا يشمل صوره المختلفة، مركزين على ارتفاع الطيران وطريقته ونهايته أكثر من توقيته. غير أن الإشارات العامة عندهم إلى أن الطيران السهل الواضح يدل على تيسير الأمور ونيل المقاصد، تنسجم مع الطابع الذي يحمله النهار في الرؤيا من وضوح وانكشاف، وهذا ما يجعل الطيران النهاري أقرب إلى حمل معاني إيجابية معلنة حين يكون هادئا ومريحا.
فإذا كان طيران الرائي في النهار سهلاً، والسماء صافية زرقاء، والرؤية واضحة أمامه، فهذا كثيرًا ما يُقرأ على أنه بشارة بأمر يقترب من التحقق بشكل علني وواضح، سواء كان نجاحًا يعلن عنه أمام الناس، أو خطوة يتخذها بثقة دون تردد أو تكتم. ويميل هذا النوع من الطيران إلى حمل طاقة إيجابية أكثر وضوحًا من غيره، لأن كل تفاصيل المشهد أمام الرائي مكشوفة ومضيئة، وهذا ينسجم مع إحساسه الداخلي بالثقة والوضوح تجاه ما يفعله.
أما إن كان النهار في الحلم مشمسًا بشدة حد الإزعاج، أو كانت الشمس حارقة أثناء الطيران، فقد يشير ذلك إلى ضغط أو إرهاق يشعر به الرائي رغم وضوح الطريق أمامه، وكأن كثرة الأعباء الظاهرة تثقل عليه حتى وإن كانت أموره واضحة ومعلنة. وإن كان النهار غائمًا خلال الطيران، فقد يعكس ذلك تشويشًا يعتري وضوح خطته رغم أنها في الأصل معروفة له ولمن حوله، وقد يحتاج إلى مزيد من التركيز لتجاوز هذا التشويش.
ويضيف ارتفاع الرائي أثناء طيرانه النهاري بعدًا آخر لهذا التفسير، فكلما ارتفع في سماء صافية ورأى الأرض والناس من حوله بوضوح تام، كان ذلك أقرب إلى دلالة الثقة الكاملة بما يقدم عليه من خطوة معلنة، وكأن هذا الوضوح البصري في الحلم يعكس وضوحًا داخليًا لديه تجاه قراره. أما إن حاول الارتفاع أكثر في النهار فوجد صعوبة في ذلك رغم صفاء الجو، فقد يشير هذا التناقض إلى تردد داخلي لم يبح به بعد، رغم أن كل معطيات الموقف من حوله تبدو مشجعة وواضحة له وللآخرين على حد سواء.
وللفتاة العزباء، يرتبط حلم الطيران في النهار غالبًا بمرحلة تشعر فيها بأنها مستعدة لإعلان قرار أو خطوة كانت تخفيها سابقًا، كالإفصاح عن رغبتها في تخصص معين أو مسار مهني تريده، أو حتى الإعلان عن علاقة عاطفية أصبحت واضحة المعالم. وإن كان طيرانها في نهار صافٍ ومشرق، فذلك يبشرها بأن هذا الإعلان سيُقابل بتقبل وتفاهم من محيطها.
أما المرأة المتزوجة، فرؤية الطيران في النهار قد تعكس وضوحًا في علاقتها بزوجها، وشفافية في التعامل بينهما دون كتمان أو مواربة، وقد يشير الحلم إلى مرحلة تشعر فيها أن حياتها الزوجية أصبحت أكثر استقرارًا ووضوحًا بعد فترة ربما كانت فيها بعض الغموض. وإن كانت تطير برفقة زوجها في نهار مشرق، فذلك يعكس انسجامًا وصراحة متبادلة بينهما.
وبالنسبة للحامل، فإن طيرانها في وضح النهار كثيرًا ما يعكس تفاؤلها المعلن بقدوم مولودها، وربما إعلانها عن خبر الحمل أو جنس المولود لمن حولها بفرح وثقة. وإن كان الحلم مشرقًا هادئًا، فذلك يبشرها بأن هذه المرحلة ستمر بوضوح وسلام دون مفاجآت مقلقة.
أما الرجل، فحلم الطيران في النهار غالبًا ما يرتبط بإعلانه عن مشروع أو قرار مهني كان يخطط له بثقة، وقد يشير إلى مرحلة يشعر فيها بأن الوقت مناسب ليطرح خطته أمام الآخرين دون تردد. وإن كان الطيران في نهار صافٍ وهادئ، فذلك يبشر بتقبل جيد لما يطرحه من أفكار أو خطط.
وتتوقف دقة التفسير على حالة السماء وضوء النهار في الحلم - صفاءً أو غيومًا أو حرارة - وعلى شعور الرائي العام أثناء طيرانه، فالنهار الصافي الهادئ يحمل معنى مختلفًا تمامًا عن نهار مشوب بالغيوم أو الحرارة المزعجة، ولا يصح إغفال هذا الفارق عند قراءة الرؤيا.
وفي الختام، يبقى هذا التفسير كغيره اجتهادًا بشريًا ظنيًا غير موثق بنص قاطع في هذه الصورة تحديدًا، وليس علمًا يقينيًا يجزم بوقوع أمر بعينه. فلا يصح اتخاذ قرار مصيري بناءً عليه، والأولى أن يستبشر الرائي بما سره منه، ويستعيذ بالله مما أقلقه، وأن يكثر من الدعاء طلبًا للتوفيق والوضوح في أموره، تاركًا علم الغيب لله وحده.
