الطيران من الرؤى التي تتكرر كثيرا عند كثير من الناس، وهو في عمومه يرتبط بالرغبة في التحرر من قيد أو ضغط يشعر به الرائي في حياته اليقظة، فالإنسان حين يحلم أنه يطير يستشعر خفة وانطلاقا يفتقدهما في واقعه، ولذلك يربط كثير من المفسرين هذه الرؤية بتبدل الأحوال والانتقال من حال إلى حال، سواء كان ذلك في العمل أو الدراسة أو العلاقات، وقد تحمل الرؤية أيضا إشارة إلى بلوغ مقصد كان الرائي يسعى إليه منذ زمن.
ذكر ابن سيرين رحمه الله أن الطيران في المنام يدل على كثرة التمني، وأن من رأى نفسه متحكما في طيرانه يقدر على الصعود والهبوط بإرادته فإن ذلك يدل على تيسير أموره ونيل مقاصده، بينما ذهب النابلسي إلى أن الطيران رمز للرقي في العلم أو المنصب، وأن الطيران الكثير في الحلم يدل على كثرة الآمال التي يعقدها الرائي على نفسه. أما الطيران من موضع مرتفع كجرف أو حافة تحديدا فلم يرد فيه نص خاص عند هذين العالمين، وإنما هو امتداد لمعنى الانطلاق من نقطة عالية الذي تحدثا عنه في سياق الطيران من علو إلى علو أكبر.
حين يرى الرائي نفسه يقف على حافة جرف ثم يطير منها فإن كثيرا من المهتمين المعاصرين بتفسير الأحلام يربطون هذا المشهد بلحظة قرار مصيري يمر بها الرائي في يقظته، فالوقوف على الحافة يعبر عن تردد أو خوف من خطوة كبيرة، والانطلاق بالطيران منها يعبر عن تجاوز هذا التردد والإقدام على ما كان يخشاه. إذا كان الطيران في الحلم مصحوبا بشعور من الارتياح والثقة فهذا يرجح أن الرؤية تحمل بشرى بنجاح تلك الخطوة، أما إن صاحبه خوف شديد أو رعب من السقوط فقد يشير إلى قلق داخلي من نتائج قرار أقدم عليه الرائي أو يفكر فيه، دون أن يكون في ذلك يقين بسوء العاقبة.
كما أن رؤية الجرف نفسه تحمل دلالة على موقف صعب أو مرحلة حرجة، فإذا كان الرائي يطير بثبات فوق الجرف دون أن ينظر إلى الأسفل فهذا يوحي بقدرته على تجاوز هذه المرحلة بثقة، بينما النظر المتكرر إلى الأسفل أثناء الطيران قد يعكس تعلقا بما تركه الرائي خلفه أو خوفا من فقدان ما كان يملكه قبل هذا التحول.
بالنسبة للفتاة العزباء فإن رؤية نفسها تطير من فوق جرف أو حافة عالية قد تعبر عن رغبتها في التحرر من قيود تشعر بها في محيطها الأسري أو الاجتماعي، أو عن اقتراب مرحلة جديدة في حياتها كالانتقال لدراسة أو عمل أو حتى الزواج، وإذا شعرت في حلمها بالطمأنينة أثناء الطيران فذلك مؤشر على أنها ستحسن التعامل مع هذا التحول، أما الخوف في الحلم فقد يعكس قلقها الطبيعي تجاه المجهول أكثر من كونه إنذارا بمكروه.
أما المرأة المتزوجة فرؤيتها للطيران من فوق حافة عالية قد ترتبط برغبتها في الخروج من ضغوط منزلية أو أعباء تثقل كاهلها، وقد تدل على تحول قادم في حياتها الزوجية أو الأسرية تسعى إليه بنفسها، وإن رأت نفسها تطير بثقة ثم تهبط بسلام فهذا يوحي بأن ما تخشاه من هذا التغيير سينتهي إلى خير، بينما السقوط المفاجئ في الحلم قد يشير إلى خشيتها من فقدان توازنها إن أقدمت على قرار متسرع.
وبالنسبة للحامل فإن حلم الطيران من فوق جرف يرتبط غالبا بمشاعرها المتقلبة تجاه اقتراب موعد الولادة، فالوقوف على الحافة يعكس ترقبها لمرحلة جديدة مليئة بالمجهول، والطيران منها بثبات يوحي بأنها ستتجاوز هذه المرحلة بسلام رغم ما يخالجها من قلق طبيعي يصاحب أغلب الحوامل، ولا ينبغي أن تحمل نفسها هما زائدا بسبب تفاصيل الحلم.
أما الرجل فرؤيته لنفسه يطير من فوق حافة أو جرف مرتفع قد تشير إلى إقدامه على مجازفة في عمله أو مشروع يفكر فيه، فإن كان الطيران هادئا ومنتهيا بهبوط آمن فذلك يبشر بأن هذه المجازفة ستكون محسوبة ومثمرة، أما إن رافقه شعور بالسقوط أو فقدان السيطرة فقد يعكس خشيته من عواقب قرار يتردد في اتخاذه.
وتجدر الإشارة إلى أن تفاصيل الحلم هي ما يغير وجهة التفسير أكثر من الرؤية العامة نفسها، فارتفاع الجرف وطبيعة المكان المحيط به، وما إذا كان الرائي يطير وحده أو برفقة آخرين، وهل انتهى الحلم بهبوط هادئ أم بسقوط مفزع، كل هذه التفاصيل تصنع فارقا حقيقيا في المعنى، ومن الصعب الجزم بتفسير واحد دون مراعاة هذا السياق الشخصي والنفسي المحيط بصاحب الرؤيا.
وفي النهاية يجب التأكيد أن كل ما سبق هو اجتهاد بشري ظني في قراءة الرؤى، وليس علما يقينيا قاطعا، فلا ينبغي أن يُبنى على تفسير حلم قرار مصيري أو حكم قاطع على مستقبل الرائي، والأولى بصاحب الرؤيا أن يتوجه إلى الله بالدعاء وأن يستعيذ به من شر ما قد يخيفه في منامه، فالطمأنينة تكون بذكر الله لا بالانشغال المفرط بتأويل كل تفصيلة في الحلم.
