الطيران في المنام من أكثر الرؤى التي تترك أثرا قويا في نفس الرائي، إذ يشعر خلالها بخفة وانطلاق يفتقدهما غالبا في حياته اليقظة، وقد اعتاد المفسرون قديما وحديثا على ربط هذه الرؤية بتبدل الأحوال أو بلوغ مراد كان الرائي يتمناه، فالطيران في جوهره صورة رمزية لتجاوز عائق أو الارتفاع فوق واقع يشعر الرائي بضيقه منه. ولا عجب أن يستيقظ كثير من الرائين من هذا النوع من الأحلام وهم يبتسمون، إذ يظل أثر الطيران في النفس زمنا بعد الاستيقاظ، وكأن الجسد يتذكر خفة لم يعشها في يقظته.
ذكر ابن سيرين أن الطيران يدل على كثرة التمني وأن من تحكم في طيرانه صعودا ونزولا نال تيسيرا في أموره، وقال النابلسي إنه يرمز إلى الرقي في العلم أو المنصب. غير أن فكرة رؤية حلم داخل حلم، بأن يرى النائم نفسه يستيقظ من الطيران ليكتشف أنه لا يزال نائما، هي فكرة لم يتطرق إليها المفسرون القدامى بتاتا، فهي أقرب إلى تجربة نفسية معقدة تناولها المهتمون المعاصرون بعلم النفس والأحلام أكثر من كونها بابا كلاسيكيا في كتب التعبير، ولذلك يجدر التعامل مع تفسيرها بوصفها اجتهادا حديثا لا امتدادا لنص قديم. ويكتفي الباحث المدقق في كتب التعبير القديمة بالإشارة إلى أن هذا الغياب في حد ذاته دليل على حداثة هذا النمط من التجربة الحلمية في وعي الناس، وربما يعود ذلك إلى اختلاف طبيعة الحياة ونمط النوم بين الأزمنة.
حين يشعر الرائي أنه يطير في حلم ثم يستيقظ داخل الحلم نفسه ليجد أنه لا يزال حالما، فإن كثيرا ممن يهتمون بتفسير الأحلام حديثا يربطون هذا الشعور بحالة من الالتباس أو عدم اليقين يعيشها الرائي في واقعه، وكأن نفسه تعبر عن صعوبة التمييز بين ما هو حقيقي وما هو متخيل في قرار أو موقف يمر به، وقد يعكس أيضا رغبة داخلية في إطالة أمد شعور جميل، كالحرية التي يمنحها الطيران، والتعلق به إلى درجة أن العقل يرفض الاستيقاظ منه دفعة واحدة. وقد يفسر البعض هذا التعلق بأنه هروب مؤقت من ضغط تراكم في يقظة الرائي، فالعقل حين يجد نفسه حرا من قيود الجاذبية والواقع في المنام، يحاول إطالة هذه اللحظة قدر المستطاع قبل أن يعيده الوعي إلى صخب الحياة اليومية.
كما أن تكرار مشهد الطيران داخل طبقات متعددة من الحلم قد يشير إلى انشغال ذهني كبير بأمر معين، فالعقل حين يكون مثقلا بتفكير متواصل في مسألة ما، يميل أحيانا إلى إنتاج مثل هذه الأحلام المتشابكة، وهذا تفسير نفسي عام أكثر منه تأويلا دينيا أو رمزيا محددا، وينبغي عدم الخلط بينه وبين تفسيرات ابن سيرين أو النابلسي التي لم تتطرق لهذا النمط من الرؤى.
بالنسبة للفتاة العزباء فإن هذا النوع من الأحلام قد يعكس حيرتها بين رغبتين أو قرارين تقف أمامهما في هذه المرحلة من حياتها، وشعورها بأنها تطير ثم تستيقظ لتجد نفسها لا تزال حالمة قد يعبر عن صعوبة تصديقها لخبر سار تنتظره أو عن قلقها من ألا يكون ما تتمناه حقيقيا فعلا. وقد تشعر أيضا أن حياتها تسير في مسارين متوازيين، أحدهما ما تخطط له فعليا والآخر ما تتمناه في أعماقها، وهذا التداخل في الحلم يعكس هذا الشعور الداخلي بوضوح.
أما المرأة المتزوجة فقد يشير هذا الحلم إلى مرورها بمرحلة تختلط فيها عليها الأولويات، بين طموح شخصي وواجبات أسرية، وكأن نفسها تحاول أن تعيش الشعورين معا دون أن تحسم أيهما تقدم، وهذا لا يعد إنذارا بسوء بقدر ما هو انعكاس لانشغال ذهني طبيعي. وقد يعكس أيضا محاولتها الموازنة بين أكثر من دور تؤديه في آن واحد، فتشعر وكأنها تعيش حياتين متزامنتين لا تستطيع الفصل بينهما بسهولة.
وبالنسبة للحامل فقد يرتبط هذا النمط من الأحلام بكثرة تفكيرها وتقلب مشاعرها تجاه المرحلة القادمة، فتداخل الحلم مع الحلم يعكس في الغالب كثرة الأفكار التي تدور في ذهنها حول الولادة والأمومة، دون أن يحمل ذلك دلالة سلبية محددة.
أما الرجل فقد يشير حلمه بالطيران داخل حلم متداخل إلى انشغاله الذهني الكبير بمشروع أو قرار مهني يزن عواقبه بعناية، وكأن عقله يعيد صياغة الموقف من زوايا متعددة حتى أثناء نومه.
وتبقى مشاعر الرائي أثناء هذا الحلم هي المعيار الأهم في قراءته، فإن كان شعوره بالطيران وتكرار الاستيقاظ مريحا فهذا يوحي بتصالح داخلي مع حالة عدم اليقين التي يمر بها، أما إن كان مقلقا ومربكا فقد يعكس حاجته إلى مزيد من الوضوح في قرار يشغل باله.
وفي كل الأحوال يبقى هذا التفسير اجتهادا بشريا ظنيا محضا، لا سيما في هذا النوع من الأحلام المعقدة التي لم يتناولها التراث الكلاسيكي، فلا يصح البناء عليه في اتخاذ قرار مصيري، والأجدر بصاحب الرؤيا أن يهدأ باله بذكر الله والدعاء بدل أن ينشغل بتحليل كل طبقة من طبقات حلمه.
