من بين الأحلام التي يتكرر ورودها عند كثير من الناس حلم الطيران، وهو حلم يوصف غالبا بأنه من أكثر الأحلام إثارة للدهشة لما يمنحه للرائي من شعور بالخفة والتحرر من قيود الجاذبية والواقع معا. وتتفاوت دلالات هذا الحلم بين البشرى بالرفعة والتوفيق، والإشارة إلى رغبة داخلية في الفرار من ضغوط الحياة، بحسب الصورة التي يتشكل بها الحلم والحال التي يعيشها الرائي في يقظته.
ذهب ابن سيرين إلى أن رؤية الطيران تدل على كثرة التمني عند صاحبها، وأن الطيران بلا جناح يدل على نيل الأمنية بقدر ما ارتفع الرائي في طيرانه، فكلما علا أكثر دل ذلك على اقتراب بلوغ مراده. وربط النابلسي الطيران بالرقي في العلم أو المنصب لمن كان أهلا له، ورأى أن طيران من لا نية سفر له قد يدل على بطالة أو توقف عن العمل، وهذه الإشارات تبقى المرجع العام الذي تُبنى عليه معظم تأويلات هذا الحلم.
أما الطيران عبر نفق تحديدا فهو من الصور التي لم يخصها المفسرون القدامى بحديث منفرد، ولهذا يُنظر إليها اليوم بمنظور عام أقرب إلى القراءة الرمزية الحديثة للأحلام. والنفق في الرؤى غالبا ما يرتبط بفكرة المرور بمرحلة انتقالية ضيقة أو مظلمة قبل الوصول إلى مساحة أرحب، فإذا اجتمع مع الطيران الذي يرمز إلى الارتقاء والحرية، فقد يعكس الحلم مرورا بفترة ضاغطة أو غامضة في حياة الرائي يشعر فيها أنه يشق طريقه بصعوبة نحو أفق أوسع ينتظره. ويميل كثير من قراء الرموز الحديثة إلى النظر إلى النفق بوصفه ممرا إجباريا لا مفر منه قبل بلوغ ما هو أرحب، وهو ما يجعل اجتماعه مع الطيران صورة نادرة تجمع بين معنى الحصار المؤقت ومعنى القدرة على تجاوزه بقوة داخلية يملكها الرائي وإن لم يشعر بها بوضوح في يقظته.
وإذا كان النفق في الحلم مظلما ثم انتهى إلى ضوء أو فضاء مفتوح، فقد يحمل ذلك بشارة بأن الرائي يقترب من نهاية مرحلة صعبة يمر بها، سواء كانت متعلقة بعمل مرهق أو ظرف أسري ضاغط أو حالة من التردد والحيرة، وأن الأفق أمامه سيتسع قريبا. أما إذا شعر الرائي بالخوف أو الضيق أثناء مروره في النفق رغم طيرانه، فقد يعكس ذلك قلقا داخليا من مرحلة انتقال لا يشعر فيها بالتحكم الكامل بمجريات حياته، وإن كان يدرك في أعماقه أنها ستقوده إلى ما هو أفضل.
وبالنسبة للفتاة العزباء فقد تدل هذه الرؤيا على مرورها بمرحلة انتقالية في حياتها، كتغيير دراسي أو مهني أو اقتراب قرار مصيري يخصها، وقد يعبر النفق عن الغموض الذي يكتنف هذه المرحلة بينما يعبر الطيران عن أملها في أن تصل إلى ما هو أفضل بعد تجاوزها، وهي رؤيا تحمل في مجملها معنى التفاؤل الحذر.
وقد تشير هذه الرؤيا لدى المرأة المتزوجة إلى مرورها بفترة تغيير داخل أسرتها، كانتقال إلى منزل جديد أو تحول في طبيعة علاقتها الزوجية أو مرحلة جديدة في تربية أبنائها، ويعكس الطيران بعد اجتياز النفق أملها في أن تستقر الأمور على وضع أفضل مما كانت عليه قبل هذا التحول.
أما الحامل فقد يعبر هذا الحلم عن إحساسها بأنها تجتاز مرحلة انتقالية حساسة قبل الولادة، مليئة بالترقب وبعض القلق الطبيعي، بينما يرمز الطيران إلى تطلعها نحو استقبال مولودها بسلام وبداية جديدة أكثر اتساعا وفرحا بعد هذه المرحلة الضيقة التي تمر بها حاليا.
أما الرجل فقد تعكس هذه الرؤيا مروره بمرحلة تحول في مساره المهني أو الشخصي، تتطلب منه جهدا وصبرا قبل أن يصل إلى نتيجة يرتاح لها، وقد يكون الحلم دافعا له للاستمرار رغم الصعوبات المؤقتة التي يواجهها بثقة في أن الأفق سيتسع أمامه لاحقا.
وتتوقف دقة التفسير على تفاصيل الرؤيا، فطول النفق وضيقه، ومدى الإضاءة أو الظلمة فيه، وشعور الرائي بالخوف أو الطمأنينة أثناء المرور، كلها عناصر تغير من المعنى العام للحلم، ولذلك فإن أي قراءة عامة تبقى تقريبية ولا تغني عن مراعاة ظروف الرائي الخاصة، فما يصلح تفسيرا لحالم بعينه قد لا يصلح بالضرورة لحالم آخر مر بنفس المشهد في ظروف مختلفة تماما.
وفي النهاية، يبقى هذا كله اجتهادا بشريا ظنيا في فهم الرموز، وليس علما يقينيا قاطعا، فلا ينبغي أن تُبنى عليه قرارات مصيرية أو أن يُترجم إلى يقين حول ما سيحدث، فالرؤى تبقى انعكاسات محتملة أكثر من كونها أخبارا قاطعة عن المستقبل. والأجدى بالرائي أن يلجأ إلى الله بالدعاء وطلب الطمأنينة بدلا من الانشغال بالقلق حول تفاصيل رؤيا قد تكون في جوهرها انعكاسا لما يعيشه في واقعه لا أكثر.
