الطيران في المنام رؤية تحمل في أصلها معنى الخفة والانعتاق، إذ يشعر الرائي وهو يحلق في حلمه بقدرة على تجاوز ما يقيده في واقعه، ولهذا اعتاد المفسرون ربط هذه الرؤية بتبدل الأحوال أو تحقيق مطلب كان الرائي يسعى إليه بصعوبة. وحين يقترن هذا الطيران بالهروب من خطر داهم كالنار، فإن الرؤية تصبح أكثر حدة في مشاعرها، وتترك أثرا أعمق في نفس الرائي بعد استيقاظه مقارنة بمشهد الطيران الهادئ المعتاد.
تحدث ابن سيرين عن الطيران بوصفه دلالة على كثرة التمني وتيسير الأمور لمن يتحكم في طيرانه، وذكر النابلسي أنه يرمز إلى الرقي والتغيير، غير أن مشهد الطيران هربا من حريق تحديدا لم يرد في نصوصهما، فهو مزيج من رمز الطيران ورمز النار، ولكل منهما في التراث الكلاسيكي دلالاته الخاصة التي غالبا ما ترتبط النار فيها بالفتنة أو الخصومة أو الأمر الشديد، ومع ذلك فإن الجمع بينهما في هذا المشهد المركب أقرب إلى القراءة المعاصرة التي تستند إلى المعنى العام لكل رمز على حدة، منه إلى نص كلاسيكي منقول بحرفيته. وينبغي التنبه إلى أن أي موقع أو مصدر يزعم وجود نص صريح لابن سيرين أو النابلسي عن هذا المشهد المركب تحديدا يستحق التعامل معه بحذر، إذ لا سند صحيحا لمثل هذا الزعم.
حين يرى الرائي نفسه يهرب بالطيران من حريق يشتعل خلفه، فإن هذا المشهد يوحي غالبا بمحاولته النجاة من موقف ملتهب في حياته، كخلاف حاد أو أزمة تتصاعد بسرعة وتهدد استقراره. فإذا نجح في الابتعاد عن النار بالطيران دون أن تلحقه فذلك يبشر بأنه سيخرج من هذا الموقف سالما، وربما قبل أن يتفاقم إلى درجة يصعب معها التعامل، أما إن شعر بحرارة النار تقترب منه رغم طيرانه فقد يعكس ذلك خشيته من أن يتأثر بهذا الخلاف رغم محاولاته للابتعاد عنه. وقد يرى بعض المهتمين أن من يلتفت في حلمه لينظر إلى النار وهو يطير بعيدا عنها إنما يعبر عن صعوبة تركه للماضي كليا رغم نجاته الظاهرية منه.
كما أن سرعة انتشار الحريق في الحلم وحجمه قد تعكس حدة الأزمة التي يشعر بها الرائي في يقظته، فالحريق الهائل الذي يصعب الهروب منه يوحي بضغط نفسي كبير يشعر أنه يفوق طاقته، بينما النار المحدودة التي يبتعد عنها الرائي بسهولة قد تشير إلى توتر أخف يمكن تجاوزه بقليل من الحكمة والصبر. وقد يضيف بعض المهتمين أن مصدر اشتعال النار في الحلم، إن كان واضحا للرائي، قد يشير بشكل غير مباشر إلى الجهة أو السبب الذي يظن أنه وراء الخلاف الذي يواجهه في واقعه.
بالنسبة للفتاة العزباء فقد يعكس هذا الحلم رغبتها في الابتعاد عن جو أسري متوتر أو خلاف يشتعل من حولها، ونجاتها بالطيران توحي بقدرتها على حماية نفسها من الانجرار إلى هذا التوتر، وقد تعكس الرؤية أيضا نضجا متزايدا في طريقة تعاملها مع خلافات من حولها.
أما المرأة المتزوجة فقد يرتبط هذا الحلم بخلاف زوجي أو أسري تشعر أنه يتصاعد بسرعة، ونجاتها بالطيران من الحريق تبشر بقدرتها على احتواء الموقف بحكمتها قبل أن يستفحل، وقد تعكس الرؤية أيضا حرصها الشديد على حماية استقرار بيتها من أي توتر خارجي.
وبالنسبة للحامل فقد يعكس هذا الحلم توترا عاطفيا تشعر به نتيجة تقلبات الحمل، ونجاتها بالطيران توحي بأنها ستتجاوز هذه الفترة المرهقة نفسيا بسلام رغم ما يعتريها من حساسية زائدة، ولا ينبغي أن تفسر هذا الحلم على أنه إنذار بخطر فعلي يهددها أو يهدد جنينها.
أما الرجل فقد يشير هذا الحلم إلى خلاف حاد في عمله أو محيطه الاجتماعي يحاول الابتعاد عنه بحكمة، ونجاته بالطيران توحي بقدرته على تجنب الانجرار إلى صراع قد يكلفه الكثير، وقد تعكس الرؤية أيضا حكمته في اختيار معاركه بعناية بدل الدخول في كل خلاف يعرض له.
وتبقى نتيجة الهروب وشعور الرائي أثناءه هما الفيصل في التفسير، فهل نجا كليا من النار أم أصابه شيء من أذاها، وهل كان طيرانه ثابتا واثقا أم مضطربا خائفا، فهذه التفاصيل تحدد درجة التفاؤل أو الحذر التي ينبغي أن يستشعرها الرائي من رؤياه.
وفي الختام، يبقى هذا التفسير اجتهادا بشريا ظنيا لا يرقى إلى اليقين، ولا ينبغي أن يُبنى عليه حكم قاطع على خلاف قائم أو قرار مصيري، والأولى بصاحب الرؤيا أن يلجأ إلى الله بالدعاء طلبا للسلامة من الفتن، وأن يستعيذ به من شر كل ما يقلقه في منامه ويقظته على حد سواء.
