يرتبط الطيران في المنام عادة بمعنى الانعتاق والتحرر، فهو صورة رمزية لرغبة الرائي في الارتفاع فوق ما يثقل كاهله من هموم أو ضغوط، ولذلك يربط المفسرون هذه الرؤية غالبا بتبدل الأحوال أو تجاوز عقبة كانت تحول بينه وبين ما يتمناه. وحين يقترن الطيران بمشهد الهروب من خطر محدق، فإن قوة الرمز تتضاعف، إذ يجتمع فيه معنى الخلاص مع معنى الارتقاء في آن واحد، وهو ما يجعل هذا النوع من الأحلام أكثر إثارة للتأمل من الطيران العادي الهادئ.
تحدث ابن سيرين والنابلسي عن الطيران بوصفه دلالة على كثرة التمني وتيسير الأمور لمن تحكم في طيرانه، لكن كليهما لم يتطرق تحديدا إلى مشهد الطيران هربا من فيضان بعينه، فهذا مزيج من رمزين، الطيران من جهة، والفيضان أو السيل من جهة أخرى، ولكل منهما في التراث الكلاسيكي معناه المستقل، ولم يرد نص يجمعهما معا بهذه الصورة، ولذلك يجدر التعامل مع هذا المشهد المركب باعتباره قراءة معاصرة تستند إلى المعنى العام لكل رمز على حدة أكثر من كونها نصا منقولا بحرفيته عن أحد هذين العالمين. ومن الأمانة العلمية التنبيه إلى أن كثيرا مما يُنشر على الإنترنت من تفسيرات جاهزة لمثل هذا المشهد المركب إنما هو اجتهاد معاصر يُقدَّم أحيانا بصيغة قاطعة دون توضيح أنه لا يستند إلى نص كلاسيكي محدد.
حين يرى الرائي نفسه يهرب بالطيران من مياه فيضان تجتاح المكان من حوله، فإن هذا المشهد يوحي غالبا بمروره بأزمة أو موقف صعب يشعر فيه بأنه على وشك أن تغمره الظروف، والطيران هنا يمثل محاولته للنجاة والارتفاع فوق هذا الموقف بدل الغرق فيه. فإذا كان الطيران ناجحا وابتعد الرائي عن الفيضان بأمان فذلك يبشر بأنه سيتجاوز هذه الأزمة ويخرج منها سالما، بل ربما بخير لم يكن يتوقعه، أما إن كان الماء يقترب منه رغم طيرانه أو شعر بصعوبة في الابتعاد عنه فقد يعكس خشيته من أن تتفاقم الأزمة قبل أن يتمكن من تجاوزها. وقد يضيف بعض المهتمين أن مصدر الفيضان في الحلم، سواء كان مطرا غزيرا أو انهيار سد أو اقترابا من نهر، قد يحمل إشارة إلى طبيعة الأزمة ومصدرها في واقع الرائي.
كما أن حجم الفيضان في الحلم وسرعته قد يعكسان حجم الضغط الذي يشعر به الرائي في واقعه، فالفيضان الهادر العنيف يوحي بأزمة كبيرة يشعر أنها تفوق طاقته، بينما الفيضان الهادئ الذي يتمكن من الابتعاد عنه بسهولة قد يشير إلى صعوبة أخف يمكن تجاوزها بقليل من الجهد والصبر. ويرى بعض المهتمين المعاصرين أيضا أن رؤية الآخرين وهم يغرقون بينما ينجو الرائي بطيرانه قد تحمل شعورا بالذنب أو المسؤولية تجاه من حوله ممن لا يستطيع مساعدتهم جميعا في أزمة واحدة.
بالنسبة للفتاة العزباء فإن هذا الحلم قد يعكس شعورها بضغط نفسي أو اجتماعي تحاول الهروب منه، كقرار يصعب عليها اتخاذه أو موقف عائلي متوتر، ونجاتها بالطيران في الحلم تبشر بأنها ستجد طريقها للخروج من هذا الضغط بسلام، وقد تعكس أيضا رغبتها العميقة في الاستقلال عن ضغوط محيطها بأسلوبها الخاص.
أما المرأة المتزوجة فقد يرتبط هذا الحلم بأزمة مالية أو خلاف أسري تشعر أنه يتصاعد من حولها، ونجاتها بالطيران توحي بقدرتها على احتواء الموقف قبل أن يتفاقم، بفضل حكمتها في التعامل معه، وقد تعكس الرؤية أيضا قوة داخلية تكتشفها في نفسها كلما واجهت أزمة عائلية غير متوقعة.
وبالنسبة للحامل فقد يعكس هذا الحلم قلقها الطبيعي من تراكم الأعباء والمسؤوليات مع اقتراب موعد الولادة، ونجاتها بالطيران من الفيضان تبشر بأنها ستتجاوز هذه المرحلة المرهقة بسلام رغم ما يعتريها من إرهاق، ولا داعي لأن تربط هذا الحلم بأي مكروه صحي طالما شعرت في نهايته بالأمان.
أما الرجل فقد يشير هذا الحلم إلى أزمة مالية أو مهنية يشعر أنها تحاصره، ونجاته بالطيران توحي بقدرته على إيجاد مخرج ذكي منها قبل أن تتفاقم عواقبها، وقد تعكس الرؤية أيضا مسؤوليته تجاه من يعولهم في مواجهة هذه الأزمة.
وتبقى طريقة الهروب ونتيجته هي الفيصل في التفسير، فهل تمكن الرائي من الإفلات كليا من الفيضان أم لحقت به بعض المياه، وهل شعر بالخوف الشديد أم بثقة في قدرته على النجاة، فكل هذه التفاصيل تغير حدة المعنى ودرجة التفاؤل أو الحذر المستفاد من الرؤيا.
وفي النهاية يبقى هذا كله اجتهادا بشريا ظنيا في تأويل رمزين مجتمعين، وليس علما يقينيا يمكن التعويل عليه في اتخاذ قرارات حاسمة، والأولى بصاحب هذه الرؤيا أن يلجأ إلى الله بالدعاء طلبا للسلامة والفرج، بدل أن ينشغل بالقلق من تفاصيل حلم قد لا يحمل أكثر من انعكاس لضغوط يومه.
