يرتبط الطيران في المنام عند أغلب المفسرين بفكرة الانتقال والتحول، وتزداد قوة هذا المعنى حين يكون الطيران سريعاً واثقاً، إذ يميل كثيرون إلى قراءة السرعة في الحلم بوصفها انعكاساً لسرعة الأحداث أو الأمنيات التي يترقبها الرائي في يقظته. وعلى عكس الطيران البطيء الذي يوحي بالتعثر، يُقرأ الطيران السريع غالباً على أنه إشارة إلى زخم إيجابي يدفع أمور الرائي إلى الأمام. ولعل هذا ما يجعل رؤية الطيران السريع من أكثر صور هذا الحلم إثارة للتفاؤل عند من يرونها، إذ تحمل في ظاهرها إحساساً بالحيوية والانطلاق نحو ما ينتظره الرائي.
وقد ذكر ابن سيرين أن الطيران بأجنحة يدل على انتقال الرائي من حال إلى حال، وأن الطيران عموماً قد يشير إلى السفر، بينما رأى النابلسي أن من سابق غيره فطار وسبقه فذلك يدل على علوه عليه شأناً، وأن الطيران الكثير يدل على كثرة الآمال. وهذا المعنى الخاص بالمسابقة والسبق يتقاطع بوضوح مع فكرة الطيران السريع، إذ يوحي بأن الرائي يتقدم بخطى واثقة نحو ما يصبو إليه، وربما يسبق من حوله في مسار يشغلهم جميعاً.
ويضيف كثير ممن يكتبون في هذا الباب اليوم أن الطيران السريع، إذا كان مصحوباً بشعور من الحماس والثقة، يُقرأ عادة على أنه بشارة بتحقق سريع لأمر كان الرائي يظن أنه سيطول انتظاره، أما إن صاحبه شعور بفقدان السيطرة رغم السرعة، فإن ذلك يحوّل القراءة نحو معنى مختلف يقترب من التحذير من التسرع أكثر منه بشارة صافية.
ومن المفيد هنا التفريق بين السرعة المصحوبة بثبات واتجاه واضح، وبين السرعة العشوائية التي لا يعرف فيها الرائي إلى أين يتجه، فالأولى تميل إلى معنى التقدم السريع نحو هدف محدد، بينما الثانية قد تعكس اندفاعاً غير محسوب في جانب من جوانب حياة الرائي يستحق مراجعة.
ويضيف بعض من يكتبون في هذا الباب أن الطيران السريع الذي يمر فيه الرائي بمشاهد متعددة متلاحقة دون أن يتمكن من التمعن في أي منها، قد يعكس مرحلة يشعر فيها الرائي بأن الأحداث من حوله تتسارع أكثر مما يستطيع استيعابه، وهو إحساس شائع في فترات التغيير الكبيرة كالانتقال إلى عمل جديد أو مدينة جديدة أو مرحلة عمرية مختلفة.
وبالنسبة إلى الفتاة العزباء، فإن هذه الرؤية قد تبشر بتسارع في أحداث تخصها، كارتباط أو قرار مهم كانت تنتظره منذ فترة، وقد تعكس أيضاً حماسها الداخلي تجاه مرحلة جديدة تقترب منها. ومع ذلك يبقى من المستحسن ألا تتعجل هي بنفسها اتخاذ قرارات مصيرية استناداً إلى هذا الشعور وحده دون تروٍّ كافٍ وتفكير هادئ بعيداً عن حماسة اللحظة.
أما المرأة المتزوجة، فقد تشير هذه الرؤية إلى تسارع في تحقيق خطة كانت تعمل عليها هي وزوجها، أو إلى شعورها بأن حياتها تتغير بوتيرة أسرع مما توقعت. وقد تكون أيضاً انعكاساً لكثرة المهام والمسؤوليات التي تتزاحم عليها في وقت واحد وتستدعي منها تنظيماً أفضل.
وللحامل، فإن هذا المشهد قد يعكس شعورها بأن موعد الولادة يقترب بسرعة، وربما يحمل بعض التوتر الطبيعي المصاحب لهذا الاقتراب إلى جانب الترقب والحماس. وقد يدفعها هذا الشعور إلى الإسراع في تجهيز ما تحتاجه قبل قدوم مولودها.
وبالنسبة إلى الرجل، فقد تعبر هذه الرؤية عن تقدم سريع يحرزه في مشروع أو مسعى مهني، أو عن شعوره بأن الفرص تتوالى أمامه ويحتاج إلى مواكبتها دون تسرع مفرط. وقد تعكس أيضاً مرحلة نشاط وحيوية يعيشها في مختلف جوانب حياته بعد فترة من الركود أو الانتظار.
ومما يستحق الانتباه في هذه الرؤية هل كان الرائي يتحكم في اتجاهه أثناء السرعة أم يجرفه الطيران دون إرادته، فالتحكم مع السرعة يحمل معنى أقوى من مجرد الاندفاع العشوائي. كذلك يُنظر إلى شعوره بعد الاستيقاظ، فإن استيقظ منتعشاً متحمساً فذلك يعزز الطابع الإيجابي للرؤية، أما إن استيقظ منهكاً كأنه بذل جهداً حقيقياً في نومه، فقد يشير ذلك إلى أن هذا التسارع في حياته يستهلك طاقته أكثر مما يفيده.
وفي الختام، يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً وليس علماً يقينياً قاطعاً، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار عاجل في الواقع، والأولى بالرائي أن يستخير الله في أموره ويتأنى في قراراته مهما شعر بإلحاح داخلي نحو الإسراع فيها.
