من أكثر المشاهد التي تحمل غموضاً خاصاً في عالم الأحلام أن يرى الإنسان نفسه يطير، ثم يكتشف أن من يطير بجواره شخص لا يعرفه في حياته اليقظة. وهذا المزيج بين خفة الطيران وغرابة الرفيق يجعل الرائي يستيقظ وهو يحمل تساؤلاً واضحاً عن دلالة هذا المشهد، خاصة أن الطيران في ذاته يُعد من الرؤى التي يغلب عليها الطابع الإيجابي عند أغلب من تناولوا تفسير الأحلام.
فابن سيرين يذكر أن الطيران يدل على تحقيق أمنية أو بلوغ مكانة، والنابلسي يربطه بالرقي أو السفر أو التحرر من قيد، لكن كليهما لم يتطرق إلى حالة وجود شخص غريب مرافق للرائي في طيرانه، فهذا التفصيل بالذات أقرب إلى اجتهاد حديث يستند إلى رمزية الغريب في المنام عموماً، والتي كثيراً ما ترتبط بأمر مجهول أو مستجد يدخل حياة الرائي.
ويميل بعض المفسرين المعاصرين إلى القول إن الشخص الغريب في هذا السياق قد يرمز إلى فرصة أو ظرف جديد سيدخل حياة الرائي قريباً، لم يألفه من قبل، وقد يكون هذا الظرف متصلاً بعمل أو علاقة أو مرحلة مختلفة تماماً عما اعتاده، فالطيران معه يشير إلى أن هذا الأمر الجديد سيرفع الرائي لا أن يهبط به، حتى لو بدا في البداية غامضاً أو مقلقاً.
ومن جهة أخرى، قد يعكس هذا الحلم شعوراً داخلياً بالحذر تجاه أمر أو شخص لم يتضح بعد في حياة الرائي، خاصة إن رافق الحلمَ إحساسٌ بعدم الارتياح تجاه ذلك الغريب رغم اشتراكهما في الطيران. فهذا التناقض بين خفة المشهد وثقل الشعور تجاه الرفيق يستحق تأملاً من الرائي في محيطه الحالي، لعله يجد فيه شخصاً جديداً يستشعر تجاهه حذراً لم يفصح عنه بعد.
ويرى بعض المفسرين أن ملامح ذلك الغريب وسلوكه أثناء الطيران قد تحمل إشارات إضافية؛ فابتسامته أو مساعدته للرائي أثناء التحليق توحي بأن ما هو قادم سيكون عوناً حقيقياً له، بينما قد يوحي تجاهله أو ابتعاده المفاجئ عن الرائي في الهواء بأن ذلك الأمر الجديد سيمر مروراً عابراً دون أثر يُذكر في حياته لاحقاً. ولا ينبغي أن يُفسَّر مجرد وجود شخص غير معروف في الحلم على أنه إشارة إلى تهديد بالضرورة، فكثير من الغرباء في الأحلام يمثلون جوانب من شخصية الرائي نفسه لم يتعرف عليها بعد، أكثر من كونهم أشخاصاً حقيقيين سيظهرون في حياته.
أما الفتاة العزباء التي ترى نفسها تطير مع شخص غريب، فيربط بعض المهتمين هذا المشهد باحتمال دخول شخص جديد في حياتها، قد يكون له أثر في مستقبلها العاطفي أو المهني، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه شخص بعينه تعرفه لاحقاً، بل هو أقرب إلى إشارة رمزية لتغير قادم أكثر من كونه تنبؤاً بهوية محددة.
وبالنسبة للمرأة المتزوجة، فإن رؤيتها تطير مع شخص لا تعرفه قد تشير إلى ظرف جديد يطرأ على حياتها الأسرية أو العملية، كفرصة غير متوقعة أو تغيير في محيطها الاجتماعي، وينبغي ألا تحمل هذه الرؤيا في ذاتها أي دلالة سلبية تخص زواجها ما لم تكن مشاعرها أثناء الحلم موحية بالقلق أو الريبة.
أما الحامل التي ترى نفسها تطير مع غريب، فقد يُفهم هذا المشهد كتعبير عن ترقبها لأمر مجهول يتعلق بقدوم مولودها، كطبيعة الولادة أو تفاصيل لم تتضح بعد، وهو أمر طبيعي في مرحلة تكثر فيها التساؤلات والترقب لدى الحامل أكثر من كونه إشارة إلى خطر محدق.
أما الرجل الذي يرى نفسه يطير مع شخص غريب، فيُنظر إلى هذا الحلم غالباً على أنه إشارة إلى شراكة أو فرصة عمل جديدة قد تعرض عليه من طرف لا يعرفه جيداً بعد، وقد تكون هذه الفرصة مثمرة إن كان شعوره العام في الحلم إيجابياً، أو تستدعي منه حذراً إضافياً إن كان الشعور مشوباً بالتوتر.
وتبقى طبيعة شعور الرائي تجاه ذلك الغريب هي المحدد الأهم لوجهة التأويل؛ فالارتياح أثناء الطيران يوحي بأن ما هو قادم سيكون في صالح الرائي، بينما يستدعي الشعور بعدم الأمان مزيداً من التروي والحذر تجاه أي مستجد يظهر في حياته قريباً، بصرف النظر عن هوية ذلك الغريب أو ملامحه في الحلم.
وفي كل الأحوال، يبقى هذا التأويل اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يمتلك صفة اليقين، فلا يصح أن يُبنى عليه قرار أو موقف تجاه شخص بعينه يظهر لاحقاً في حياة الرائي. والأولى أن يتعامل الإنسان مع مثل هذه الرؤى بهدوء، وأن يلجأ إلى الله بالدعاء أن يقيه شر كل مجهول ويوفقه لما فيه خير، بدل أن يستسلم لقلق لا سند يقيني له.
