يظل الطيران في المنام من أكثر المشاهد التي تستوقف الرائي عند استيقاظه، لما يخلّفه من إحساس بالخفة والانطلاق نحو أفق واسع، وهو إحساس بعيد كل البعد عن واقع الجسد المحكوم بالجاذبية. ويكاد يجمع من كتبوا في هذا الباب على أن الطيران في أصل معناه بشارة، وإن كانت درجاتها ونوعها تختلف بحسب ملابسات كل رؤيا.
فقد ذهب ابن سيرين إلى أن رؤية الطيران تدل على بلوغ الرائي مطلباً أو منزلة كان يتوق إليها، بينما ربط النابلسي هذه الرؤيا بالرقي العلمي أو الوظيفي، وجعلها أحياناً إشارة إلى السفر أو إلى تبدل حال صاحبها نحو الأفضل. أما الطيران تحديداً بصحبة الأصدقاء، فلم يتناوله هذان المفسران بتفصيل مستقل، وإنما يُستنبط تأويله من المعنى العام للطيران مقروناً بدلالة الرفقة في المنام.
ومن زاوية معاصرة، تربط كثير من القراءات مشهد الطيران مع الأصدقاء بمشاركة حقيقية في مشروع أو طموح، فحين يرى الإنسان نفسه يحلّق بجانب رفاقه لا وحده، فذلك يوحي برغبته في أن يكون نجاحه مشتركاً لا فردياً، أو بانعكاس لثقته في أن من حوله شركاء صادقون في مسيرته، لا مجرد رفقة عابرة تزول عند أول عقبة.
وقد يحمل هذا المشهد أيضاً إشارة إلى متانة رابطة الصداقة ذاتها، خاصة إن شعر الرائي بالطمأنينة وهو يطير بينهم، إذ يعبّر ذلك عن إحساسه بأن هؤلاء الأصدقاء سند حقيقي له يرفعه لا يثقله. أما إن رأى نفسه يحاول اللحاق بهم دون أن يبلغ ارتفاعهم، فربما يشير ذلك إلى شعور خفي بالتفاوت بينه وبينهم في ظرف من ظروف الحياة، كالنجاح المادي أو الاستقرار.
ويضيف بعض الباحثين في تفسير الأحلام أن مكان الطيران مع الأصدقاء له دلالته أيضاً؛ فإن كان المشهد يجري فوق أماكن مألوفة كالحي الذي نشأ فيه الرائي أو مدرسته القديمة، فذلك يوحي بحنين إلى صداقات الماضي ورغبة في استعادة دفئها، أما إن كان الطيران فوق أماكن جديدة لم يعرفها من قبل، فقد يشير إلى صداقات حديثة تحمل معها آفاقاً وفرصاً لم يختبرها الرائي سابقاً. كما أن الحالة النفسية العامة التي يستشعرها الرائي أثناء الطيران مع أصدقائه، من مرح وضحك أو من توتر وحذر، تعكس بدقة طبيعة علاقته الفعلية بهم في يقظته، فالأحلام غالباً ما تعيد تصوير مشاعرنا الحقيقية تجاه من حولنا بصورة رمزية أكثر مما تكون نبوءة عن أحداث مستقبلية محددة.
أما الفتاة العزباء التي ترى نفسها تطير مع صديقاتها، فيميل كثير من المفسرين المعاصرين إلى اعتبار هذا الحلم انعكاساً لدائرة اجتماعية داعمة تحيط بها، وربما بشارة بأن مرحلة مقبلة من حياتها، كالدراسة أو العمل أو حتى الزواج، ستشهد حضور صديقاتها إلى جانبها بدل أن تخوضها وحيدة.
وبالنسبة للمرأة المتزوجة، فإن رؤيتها تطير مع صديقاتها قد تعبّر عن حاجتها إلى مساحة اجتماعية خاصة بها بعيداً عن أعباء البيت، أو عن امتنانها لصداقات ما زالت تمدها بالدعم رغم انشغالها بمسؤولياتها الجديدة، وهو ما يمنحها شعوراً بالتوازن بين عالمها الأسري وعالمها الشخصي.
أما الحامل التي ترى نفسها تطير مع أصدقائها، فقد يُفهم هذا المشهد كتعبير عن حاجتها في هذه المرحلة إلى من يشاركها فرحتها ويخفف عنها قلقها، وبشارة بأن محيطها الاجتماعي سيكون حاضراً لدعمها بعد الولادة كما كان حاضراً في طيرانها معهم.
أما الرجل الذي يرى نفسه يطير مع أصدقائه، فيُنظر إلى هذا الحلم غالباً على أنه إشارة إلى نجاح مشروع جماعي يشارك فيه، أو إلى متانة علاقاته المهنية والاجتماعية التي يعتمد عليها في مواجهة تحديات حياته، وقد يدل أيضاً على أن مرحلة مقبلة من حياته ستشهد تعاوناً مثمراً بينه وبين من يثق بهم.
وتبقى تفاصيل المشهد حاسمة في ضبط المعنى؛ فعدد الأصدقاء الحاضرين، وهوية من يقود الطيران منهم، وما إذا انتهى المشهد باجتماعهم بعد الهبوط أو بتفرقهم، كلها عناصر تُضيف أو تُنقص من الطابع الإيجابي للرؤيا، ولا يصح تجاهلها عند محاولة فهم الحلم بدقة أكبر.
وفي النهاية، يبقى هذا كله من باب الاجتهاد البشري الظني الذي لا يرقى إلى اليقين، فلا يصح أن يُبنى عليه حكم قاطع على صداقة بعينها أو مستقبلها. والأجدر بالرائي أن يأخذ من رؤياه ما يبعث الطمأنينة في نفسه، وأن يدعو الله أن يبارك له في رفقته ويديم عليه ودّهم، دون أن ينشغل بتأويلات قد لا تحمل يقيناً.
