يختلف مشهد تعليم شخص آخر الطيران عن مشاهد الطيران الأخرى في كونه يضع الرائي في موقع من يملك المهارة أصلاً، لا في موقع من يسعى لاكتسابها. فهو هنا الطرف الواثق القادر على الارتفاع عن الأرض، بينما يحتاج من أمامه إلى توجيهه وتشجيعه ليصل إلى الحالة نفسها، وهذا الفارق في الأدوار يمنح الحلم بعداً رمزياً خاصاً يتصل بالقيادة والتوجيه أكثر مما يتصل بالطيران بحد ذاته.
ولم يتطرق ابن سيرين أو النابلسي إلى مشهد تعليم الطيران تحديداً فيما هو معروف من كلامهما، إذ اقتصر حديثهما على الطيران كفعل يقوم به الرائي نفسه، ويدل على بلوغه مطلباً أو مكانة أو رقياً في العلم والمنصب. لذلك فإن تأويل مشهد التعليم يُبنى على استنباط معاصر يقرن معنى الطيران العام برمزية التعليم والتوجيه التي تحمل في الغالب دلالة إيجابية تخص العلاقة بين الرائي ومن يعلّمه.
ويرى كثير من المهتمين بتفسير الأحلام أن هذا المشهد يعكس إحساس الرائي بأنه بلغ من الخبرة أو النضج ما يؤهله لمساعدة غيره، سواء كان ذلك في محيط عمله كموجه لزملاء أحدث منه، أو في محيط أسرته كمرشد لأبنائه أو إخوته الأصغر. فالحلم هنا يبرز جانباً من شخصيته يميل إلى العطاء ونقل ما تعلمه، لا الاحتفاظ به لنفسه فقط.
وقد يحمل هذا الحلم أيضاً إشارة إلى مسؤولية يشعر بها الرائي تجاه شخص بعينه في حياته، يرى أنه بحاجة إلى دفعة تساعده على تجاوز مرحلة صعبة أو تردد يعيشه. فإن نجح ذلك الشخص في الحلم بأن يطير بمساعدة الرائي، فذلك يوحي بأن جهود الرائي في الواقع ستؤتي ثمارها، وأن من يحاول مساعدته سيتجاوز عقبته فعلاً بفضل ذلك الدعم.
ويضيف بعض المفسرين أن طريقة تعامل الرائي مع من يعلّمه، من صبر وتشجيع أو من ضيق وتسرع، تعكس أسلوبه الفعلي في التعامل مع من يوجههم في واقعه، فالحلم هنا يقدم مرآة صادقة لطبيعة علاقته بمن حوله أكثر مما يقدم نبوءة عن حدث مستقبلي محدد. كما أن هوية الشخص الذي يتعلم الطيران في الحلم مهمة في ضبط التأويل؛ فإن كان أحد أفراد الأسرة فالدلالة تنصرف إلى دور تربوي أو توجيهي داخل البيت، أما إن كان زميلاً في العمل أو شخصاً من خارج دائرة الأسرة، فالدلالة تميل أكثر إلى جانب مهني أو اجتماعي في حياة الرائي، وقد تشير أيضاً إلى مكانة يحتلها الرائي بين أقرانه كمصدر ثقة يُلجأ إليه عند الحيرة.
أما الفتاة العزباء التي ترى نفسها تعلّم شخصاً آخر الطيران، فيربط بعض المفسرين هذا المشهد بثقتها المتنامية في نفسها وقدرتها على العطاء لمن حولها، وربما بدور تقوم به فعلاً تجاه أخ أصغر أو صديقة تمر بظرف صعب، وهو ما يعكسه الحلم بصورة رمزية تحمل معنى الريادة لا التبعية.
وبالنسبة للمرأة المتزوجة، فإن رؤيتها تعلّم غيرها الطيران، وخصوصاً إن كان الشخص أحد أبنائها، تشير غالباً إلى دورها التربوي الفاعل في توجيههم نحو الاستقلال والثقة بالنفس، وإلى رضاها عن الأثر الذي تتركه فيهم من خلال متابعتها وصبرها عليهم في مراحل نموهم المختلفة.
أما الحامل التي ترى هذا المشهد، فقد يُفهم كتعبير مبكر عن استعدادها لدور التوجيه الذي ينتظرها مع مولودها القادم، وكأن نفسها تهيئها سلفاً لمهمة الإرشاد والرعاية التي ستمارسها معه لاحقاً، وهو انعكاس طبيعي لمشاعر الترقب المصحوبة بإحساس بالمسؤولية.
أما الرجل الذي يرى نفسه يعلّم غيره الطيران، فيُنظر إلى هذا المشهد غالباً على أنه إشارة إلى موقع قيادي أو إرشادي يشغله أو سيشغله قريباً، سواء في عمله كمدرب أو مسؤول عن فريق، أو في محيطه الاجتماعي كمن يُلجأ إليه طلباً للنصيحة، وهو ما يعكس ثقة الآخرين في خبرته وحسن توجيهه.
وتختلف الدلالة بحسب نجاح المتعلم في الحلم من عدمه؛ فإن طار ذلك الشخص بنجاح فذلك يبشر بأن مساعي الرائي في مساندة الآخرين ستثمر نتائج طيبة، أما إن استمر ذلك الشخص في التعثر رغم محاولات الرائي، فقد يعكس ذلك شعوراً بالإحباط من عدم استجابة من يحاول مساعدته بالقدر الذي يتمناه.
وفي الختام، يبقى هذا التفسير اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يرقى إلى اليقين، فلا ينبغي أن يُبنى عليه حكم قاطع على نتيجة جهد يبذله الرائي مع غيره في الواقع. والأولى أن يدعو الله أن يوفقه فيما يقدمه من عون لمن حوله، وأن يجعل سعيه في نفع الناس سبباً لرضا الله عنه، بعيداً عن انتظار تفسير حرفي لكل تفصيل يراه في منامه.
