من أبرز ما يميز الضفدع صوته المرتفع الذي يملأ الليالي الهادئة قرب الماء، فيسمعه الناس من بعيد وإن كان صاحبه صغيراً جداً. وقد يحلم الإنسان بضفدع يصدر صوتاً عالياً يلفت الانتباه ويطغى على ما سواه من الأصوات. وهذا من الأحلام التي تعتمد على حاسة السمع أكثر من البصر، وكثيراً ما تتأثر بأصوات حقيقية يسمعها النائم. وتفسير الأحلام قراءة رمزية لا حرفية، وما يلي مجرد احتمالات للتأمل.
يرتبط الضفدع في رمزية الأحلام بالعيش بين الماء واليابسة، فهو رمز للانتقال بين حالين. وقفزاته تُشبَّه بالفرص الصغيرة، وبداياته المتواضعة بأمور تنمو. أما صوته العالي فهو أشهر ما يرمز إليه في هذا الباب، إذ فُسّر بالكلام الكثير أو التفاخر أو الرغبة في إثبات الوجود. فمخلوق صغير يصدر صوتاً أكبر من حجمه صار مثالاً عند بعضهم على أن الصوت العالي لا يدل بالضرورة على قوة حقيقية، وإنما قد يدل على رغبة في الظهور.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين كلام عن الضفادع وأصواتها يدور حول الكلام الكثير الذي لا طائل تحته، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى نحو من ذلك. والأصوات في المنام عموماً لها أبوابها في كتب التعبير وتختلف دلالاتها باختلاف نوعها. ومع ذلك فالضفدع أقل حضوراً في الكتب القديمة من الحيوانات الكبيرة، فكثير من القراءات المتداولة قياس واجتهاد. واختلف المفسرون في ذلك اختلافاً ظاهراً، فلا ينبغي أن تُعد هذه الأقوال حكماً ثابتاً ولا أن توجه إلى شخص بعينه.
ومن القراءات المحتملة أن الصوت العالي يعبّر عن ضجيج في حياة الرائي، كأحاديث كثيرة حوله أو أخبار متضاربة أو أصوات رأي لا يتفقون. وقد يعبّر عن رغبة داخلية في أن يُسمع صوته وأن يُلتفت إلى رأيه، وقد لا يجد في يقظته المساحة لذلك. وقد يعبّر عن انزعاج من كثرة الكلام في بيئته. وقد يكون ببساطة أثراً لصوت حقيقي، كضفادع تنق قرب البيت، أو مقطع صوتي سمعه، أو ضوضاء الشارع. وهذه الأخيرة أقرب في أحيان كثيرة.
وللتفاصيل أثر في المعنى. فإن كان الصوت عالياً لكنه مألوف مريح كأصوات الطبيعة فالمعنى أقرب إلى حياة تضج بالنشاط، وإن كان مزعجاً مؤلماً للأذن فقد يعكس انزعاجاً حقيقياً من ضجيج في الواقع. وإن كان صوت ضفدع واحد فالمعنى يتعلق بشخص أو أمر بعينه، وإن كان جوقة من الأصوات فالمعنى يتعلق بكثرة الآراء. وإن اختفى الصوت فجأة فقد يشير إلى هدوء بعد ضجيج. وموضع الصوت من بيت أو شارع أو حديقة يحدد المجال.
وبحسب أحوال الرائين، فللفتاة غير المتزوجة قد تعبّر الصورة عن كثرة الآراء حولها في أمر يخصها وحاجتها إلى سماع صوتها الداخلي. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن ضجيج البيت وكثرة الأصوات فيه. وللرجل قد تعبّر عن ضجيج العمل والاجتماعات. وللحامل قد تعبّر عن حساسية للأصوات تزيد في فترة الحمل. وللتاجر قد تعبّر عن ضجيج السوق. وهي كلها قراءات عامة لا توجه إلى أحد بعينه، ولا تعدو أن تكون تأملاً.
ومن الجانب النفسي، فإن الصوت العالي في الأحلام كثيراً ما يرتبط بالتوتر، فالجهاز العصبي المتوتر يضخّم الأصوات ويجعلها مزعجة. ولذلك قد يعكس الحلم حاجة النفس إلى هدوء وصمت، وهي حاجة مشروعة. وقد يكون إشارة إلى أن الإنسان تعرض لضوضاء كثيرة في يومه بين شاشات وأصوات وأخبار، فحملها إلى منامه. وفي ذلك تنبيه لطيف إلى أن النفس تحتاج إلى فترات سكون لتستريح وتصفو.
ومن الجانب العملي، قد يدعو الحلم صاحبه إلى أن يخصص لنفسه وقتاً من الهدوء كل يوم، يبتعد فيه عن الضجيج ويصفو ذهنه، كأن يجلس في مكان هادئ أو يتأمل أو يقرأ الأذكار بتدبر. وقد يدعو إلى مراجعة طريقته في الكلام، فالصوت العالي لا يجعل الكلام أصدق، وربما أفاد الهمس الهادئ أكثر من الصياح. وقد يدعو إلى حسن الإصغاء، فمن أحسن الإصغاء أحسن الفهم.
ولا يصح أن يتخذ الرائي من هذا الحلم دليلاً على أن أحداً من حوله يتكلم عنه أو يدبر له شيئاً، ولا أن يسيء الظن بأحد بسببه. فالظن بالناس بناءً على الأحلام باب من أبواب الوسواس يحسن إغلاقه. وإنما هو صورة رمزية بسيطة تحمل معنى الضجيج، ومن أراد الراحة فليخفف الضجيج من حياته بما يقدر.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي ولا لسوء ظن بأحد. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فلنقابل ما نراه بالدعاء وحسن الظن بالله، ولنسأله أن يملأ قلوبنا سكينة وأن يجعل كلامنا خيراً، وأن يصرف عنا لغو القول وما لا ينفع.
