يرى بعض الناس في المنام ضفدعاً وكأنه يتكلم أو يحكي، أو يشعرون وهم يرونه أن الحلم يتعلق بكثرة الكلام. وهذا من الأحلام الطريفة التي تجمع بين صورة المخلوق الصغير ومعنى الحديث الطويل. وكثيراً ما يربط الناس في ثقافتهم بين الضفدع والثرثرة لكثرة نقيقه المتواصل، فلا غرابة أن يأتي ذلك في المنام. وتفسير الأحلام قراءة رمزية لا حرفية، وما يلي احتمالات للتأمل لا أكثر.
الضفدع في رمزية الأحلام كائن بين عالمين، يرمز إلى الانتقال بين حالين، وقفزاته إلى فرص صغيرة، وبداياته إلى أمور تنمو. لكن أشهر ما يُذكر عنه عند المفسرين هو ارتباطه بالكلام الكثير، فهو يتكلم بلا انقطاع في الليالي، ولا يُعرف أنه يقول شيئاً مفيداً. وهذا التشبيه قديم في الثقافة الشعبية، وانتقل إلى قراءة الأحلام. غير أن الكلام الكثير ليس شراً في ذاته، فقد يكون كلام ود وأنس، وإنما يُذم منه ما لا فائدة فيه.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين ما يقارب هذا المعنى، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الضفادع قد تدل على الكلام الذي لا يفيد. وهذا من أكثر ما يتردد في الكتب والمجالس عن هذا المخلوق. ومع ذلك فالضفدع أقل حضوراً في الكتب القديمة من الحيوانات الكبيرة، وكثير من الأقوال فيه قياسية. واختلف المفسرون في ذلك، فلا يصح أن يُعامل أي قول منها كأنه حكم قاطع، ولا أن يوجه إلى شخص بعينه.
ومن القراءات المحتملة أن الحلم يعبّر عن كثرة الكلام في حياة الرائي، سواء كان صادراً منه أم ممن حوله. وقد يعبّر عن تنبيه لطيف إلى أن يختصر ويتروّى في حديثه. وقد يعبّر عن شعور بالتعب من كثرة الحوارات التي لا تنتهي إلى شيء. وقد يعبّر عن رغبة في الحديث عن أمر ما مع شخص ما لم تُتح له فرصته. وقد يكون انعكاساً ليوم كثر فيه الكلام والاجتماعات والرسائل. وكلها احتمالات متقاربة، والرائي أعلم بحاله.
وللتفاصيل أثر. فإن كان الضفدع يتكلم بصوت لطيف فالمعنى أقرب إلى الأنس والحديث الودي، وإن كان صاخباً مزعجاً فالمعنى أقرب إلى الضجر من الكلام. وإن كان يتكلم وحده فالمعنى قد يتعلق بحديث النفس، وإن كان يحاور ضفادع أخرى فالمعنى قد يتعلق بحوارات اجتماعية. ومن الأمور المؤثرة كذلك ما يشعر به الرائي، فإن كان يصغي باهتمام فهو يميل إلى الإصغاء، وإن كان يريد إسكات الضفدع فهو ينفر من كثرة الكلام.
وبحسب أحوال الرائين، فللفتاة غير المتزوجة قد تعبّر الصورة عن كثرة الآراء والنصائح التي تسمعها. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن كثرة الحديث في البيت أو بين الأقارب. وللرجل قد تعبّر عن كثرة الاجتماعات والمحادثات في عمله. وللحامل قد تعبّر عن تكاثر النصائح التي تتلقاها. وللتاجر قد تعبّر عن مساومات طويلة وأحاديث كثيرة في البيع والشراء. وهي كلها قراءات عامة لا توجه إلى أحد بعينه، ولا تُعد حكماً على أحد.
ومن اللطائف أن الإنسان قد يرى نفسه ضفدعاً يتكلم، فتكون هذه صورة ناقدة بلطف لما يفعله هو نفسه من إكثار الكلام. وهذا ليس اتهاماً، فكل الناس يُكثرون الحديث أحياناً، وإنما هو تنبيه نفسي رقيق يظهر في الحلم حين يكون الإنسان محتاجاً إلى مراجعة نفسه. ومن لم يجد في نفسه ما يوافق ذلك فلا حرج عليه، فالحلم قد يكون عن غيره أو عن لا أحد.
ومن الناحية العملية والنفسية، يمكن أن يستفيد الرائي من الحلم بأن يجعل لكلامه ميزاناً، فيسأل نفسه قبل أن يتكلم هل هذا الكلام نافع أم لا. وأن يعوّد نفسه الإصغاء أكثر من الحديث، وأن يختصر ما استطاع. وأن يحفظ أسرار الناس ولا يتحدث عما لا يعنيه، فذلك أنفع للقلب والعلاقات. ومن اعتاد الإيجاز نال محبة الناس واحترامهم، وارتاح من تبعات الكلام الزائد.
ولا يعني الحلم أن الرائي ثرثار أو أن أحداً حوله كذلك، ولا يجوز أن يتخذ منه ذريعة لاتهام أحد. وإنما هو صورة رمزية تدعو إلى التأمل في نعمة اللسان وكيفية استخدامها. فمن أحسن الكلام أحسن الله إليه، ومن سكت عما لا ينفع سلم من كثير من الأذى.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي أو حكم على الناس. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فلنقابل ما نراه بالدعاء وحسن الظن بالله، ولنسأله أن يحفظ ألسنتنا من اللغو وأن يجعل كلامنا طيباً نافعاً، وأن يبارك لنا في أقوالنا وأعمالنا.
