قد يرى النائم أن ضفدعاً صغيراً يخرج من فمه أو من فم أحد، فيقفز إلى الأرض بخفة، فيستيقظ وقد انتابه استغراب وربما انقباض خفيف. وهي رؤية رمزية الطابع لا تحمل في ذاتها ما يدعو إلى الخوف، وتتكرر عند من يكثرون الحديث أو يخشون زلة اللسان أو يمرون بمواقف يتكلمون فيها كثيراً. وينبغي أن يُقال إن تفسير الرؤى رموز تحتمل التأويل، لا تؤخذ على ظاهرها، وإن هذه الصورة مجازية لا حقيقة لها.
والضفدع في عالم الرموز مخلوق يعيش بين الماء واليابسة، فهو علامة على الانتقال والتكيف، وعلى القفزات الصغيرة، وعلى النقيق الذي يرمز بوضوح إلى كثرة الكلام والصخب. والفم هو مخرج الكلام. فإذا خرج الضفدع من الفم اجتمع رمز الكلام مع رمز القفز، فتكون الصورة في الغالب تمثيلاً للكلمات التي تقفز من اللسان على عجل، أو للأحاديث التي تنطلق دون تدبر، أو لكلام يخرج وقد لا يمكن استرجاعه.
وحين يخرج الضفدع من فم الرائي فإن بعض المفسرين يميل إلى أن الحلم قد يشير إلى كلام صدر أو سيصدر عنه على عجل، أو إلى رغبة في البوح بأمر كان يكتمه. وقد يُقرأ كذلك على أنه ضيق بتحفظ طويل ورغبة في التعبير. وإن خرج من فم غيره فقد يُقرأ على أحاديث يسمعها الرائي في محيطه. وهذا كله استئناس بالصور لا جزم، ولا يُوجه إلى أحد بعينه.
ونُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين في باب ما يخرج من الفم أنه قد يدل على الكلام وما يصدر عن صاحبه من قول بحسب هيئة الخارج، فالحسن يدل على كلام حسن وغيره على غيره. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يخرج من الفم في المنام يتعلق بالقول والبوح. ومن الإنصاف أن نقول إن الضفدع قليل الذكر في كتب التعبير القديمة بالمقارنة مع الحيوانات الكبيرة، فأغلب ما يُنقل قياس على نظائر، وقد اختلفت الآراء، فلا يصح توجيه شيء منها إلى شخص بعينه أو جماعة.
وتتغير الدلالة بتغير التفاصيل. فإن خرج الضفدع صغيراً نظيفاً هادئاً فالأمر أخف، وإن خرج بصعوبة فقد يُقرأ على كلام ثقيل على النفس. وإن قفز وابتعد فقد يُقرأ على كلام انتهى أثره، وإن بقي قرب الرائي فقد يُقرأ على كلمات تحتاج إلى متابعة. والمكان والأحوال لها أثر، وشعور الرائي هو الأهم: فمن ارتاح بعد خروجه قريب من راحة بعد بوح، ومن شعر بالحرج قريب من حذر في الكلام.
وإذا كان الرائي رجلاً فقد يُفهم الحلم عند بعضهم على أنه تنبيه إلى حسن اختيار الألفاظ في مجلس أو عمل، وعدم التسرع في الوعود والأقوال. وإن كان تاجراً فقد يُحمل على الحذر من كثرة الوعود أو المبالغة في وصف البضاعة. والتزام الصدق والتروي في القول هو الأصل في كل حال، رأى الإنسان حلماً أم لم يره، وهذا تذكير لطيف لا أكثر.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة فقد يُقرأ الحلم على رغبة في التعبير عن أمر تكتمه أو على حرص على ألا تتحدث في ما لا ينبغي، وتُنصح بالتروي وباختيار من تثق به لتبوح له. وإن كانت متزوجة فقد يُحمل على أحاديث البيت وكلمات قيلت في عجلة، فتحسن تهدئة الأجواء بلطف. وإن كانت حاملاً فالأقرب أن الحلم صدى لكثرة الأحاديث والنصائح من حولها، أو لرغبة في البوح بمشاعرها، فلتتحدث مع من تطمئن إليه.
ومن دقائق التفصيل أن ننظر: هل كان الضفدع واحداً أم أكثر؟ فالأكثر قد يُقرأ على كثرة الكلام، والواحد على كلمة بعينها. وهل رافقه صوت؟ فالصوت قد يُقرأ على كلام مسموع للناس. وهل حاول الرائي إعادته؟ فذلك قد يُقرأ على ندم على كلمة قيلت. وهل كان يضحك أم يتحرج؟ فالضحك أخف دلالة. وهل كان المكان بين ناس أم وحده؟ فذلك قد يُقرأ على أن الكلام يتعلق بالمجتمع أو بالنفس. وهي احتمالات لا أكثر.
ومن الناحية النفسية فهذا الحلم يظهر كثيراً عند من يخشون زلات اللسان أو ممن يشعرون بأنهم قالوا شيئاً لم يقصدوه. وهو دعوة لطيفة إلى التمهل قبل الكلام، وإلى أن نزن ما نقول، فالكلمة بعد أن تخرج تقفز بعيداً عنا. ومن المفيد أن يعتذر الرائي بلطف إن أخطأ في حق أحد، وأن يتدرب على الصمت قليلاً قبل الرد، وأن يتذكر أن الكلام الطيب يريح القلب ويحفظ العلاقات.
وفي الختام، فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُتخذ سنداً لقرار حقيقي في العمل أو الأسرة أو المال. والأولى بمن رأى مثل هذا أن يدعو الله بالخير وأن يحسن الظن به، وأن يطمئن إلى رحمته. وأما ما يحمله الغد فعلمه عند الله وحده.
