قد يرى النائم ضفدعاً يطلّ برأسه من سطح ماء ساكن ثم يصعد إلى الضفة ويقفز على اليابسة، فيتابعه بنظره حتى يغيب عنه، ثم يستيقظ وفي ذهنه صورة هادئة لبركة أو نهر أو جدول. وهي رؤية مألوفة عند من يقضون وقتاً قرب الماء أو يحبون مناظر الطبيعة، وهي أقرب إلى الصور الرمزية الهادئة من أن تكون مخيفة. وينبغي التنبيه إلى أن تفسير المنامات رموز تحتمل التأويل، لا تؤخذ على ظاهرها، ولا تُعد إخباراً جازماً.
والضفدع في عالم الرموز مخلوق يعيش بين الماء واليابسة، فهو علامة على الانتقال والتكيف، وعلى القفزات الصغيرة والفرص العابرة، وعلى النقيق الذي يرمز إلى الكلام الكثير. وخروجه من الماء إلى اليابسة هو تجسيد مباشر لفكرة الانتقال، فكأن الحلم يصور لحظة عبور من حال إلى حال. والماء في الرموز يتصل بالحياة والسكينة والمشاعر العميقة، واليابسة تتصل بالواقع والعمل، فيكون المشهد غالباً انتقالاً من عالم داخلي إلى عالم عملي.
وحين يخرج الضفدع من الماء فإن بعض المفسرين يميل إلى أنه قد يشير إلى بداية جديدة تظهر من حيث لا يُرى، أو إلى فكرة كانت كامنة تخرج إلى النور، أو إلى أمر كان مستتراً يبدأ بالظهور. وقد يُقرأ كذلك على انتقال الرائي من مرحلة هادئة إلى مرحلة أكثر نشاطاً. وهذا كله استئناس بالصور لا جزم، وفيه من الرجاء أكثر مما فيه من الخوف، فالخروج في الغالب علامة حركة وتقدم.
ونُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين في باب الماء أنه يدل على الحياة والرزق والعلم أو الأحوال بحسب صفائه، وأن ما يخرج منه يُقاس على حال الماء. وذهب بعض المفسرين إلى أن الخارج من الماء يدل على بروز أمر مستتر. ومن الإنصاف أن نقول إن الضفدع قليل الذكر في كتب التعبير القديمة بالمقارنة مع الحيوانات الكبيرة، فأغلب ما يُنقل قياس على نظائر، وقد اختلفت الآراء، فلا يصح توجيه شيء منها إلى شخص بعينه أو جماعة.
وتتغير الدلالة بتغير التفاصيل. فإن كان الماء صافياً هادئاً فالمشهد أبشر، وإن كان كدراً فقد يُقرأ على أن البدايات الجديدة تحتاج إلى تصفية وتمييز. وإن خرج الضفدع بنشاط فهو أقرب إلى بداية قوية، وإن خرج بتثاقل فهو أقرب إلى بداية بطيئة تحتاج إلى صبر. ومكان الماء، نهر أم بركة أم بئر، له أثره. وشعور الرائي له وزنه: فمن سُرّ بالمشهد قريب من التفاؤل، ومن توجس قريب من حذر أمام مجهول.
وإذا كان الرائي رجلاً فقد يُفهم الحلم عند بعضهم على أنه بداية عمل أو فكرة أو علاقة جديدة تخرج إلى حيز التنفيذ، فيحسن به أن يتوكل على الله ويخطو بتؤدة. وإن كان تاجراً فقد يُحمل على بداية مشروع صغير أو سلعة جديدة تظهر في السوق، ويستحسن أن يدرسها دراسة وافية. وهذه قراءات تقريبية، والخطط الواقعية والمشورة هما الأصل في كل قرار.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة فقد يُقرأ الحلم على مرحلة جديدة تبدأ في حياتها، أو على معرفة جديدة، أو على فكرة تنضج وتخرج إلى النور، وتُنصح بالتروي ومشاورة من تثق بهم. وإن كانت متزوجة فقد يُحمل على بداية في شؤون البيت أو الأسرة. وإن كانت حاملاً فالأقرب أن الحلم صدى لما تحمله من مولود مرتقب سيخرج إلى الدنيا، وهو تعبير طبيعي، فلتستقبله بالسكينة والدعاء له بالصحة والخير.
ومن دقائق التفصيل أن ننظر: هل خرج الضفدع وحده أم مع غيره؟ فالجماعة قد تُقرأ على أن البداية تشمل أطرافاً عدة. وهل كان الرائي واقفاً على الضفة يشاهد أم مشاركاً؟ فالمشاهد قد يُقرأ على ترقب، والمشارك على فعل. وهل ابتل الضفدع وتلألأ؟ فذلك قد يُقرأ على نضارة البداية. وهل عاد إلى الماء بعد قليل؟ فذلك قد يُقرأ على أن الحال متردد بين طورين. وهي كلها احتمالات تقريبية لا غير.
ومن الناحية النفسية فهذا الحلم يعبر غالباً عن الانتقال من حالة من التأمل والانزواء إلى حالة من الظهور والعمل، أو عن مشاعر كانت كامنة تبحث عن تعبير. وهو يدعو بلطف إلى أن نخرج من مناطق الراحة الضيقة حين يحين وقت ذلك، وأن نتخذ خطواتنا الأولى بثقة وهدوء. ومن المفيد أن يتذكر الرائي أن كل بداية تبدو صغيرة، وأن النمو يأتي بالصبر والتجربة، وأن عليه ألا يستعجل النتائج وألا يستهين بالخطوة الأولى.
وفي الختام، فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي في العمل أو الزواج أو المال. والأولى بمن رأى مثل هذا أن يدعو الله بالخير وأن يحسن الظن به، وأن يمضي بقلب مطمئن. وأما ما سيكون في الغيب فلا يعلمه إلا الله وحده.
