ربما يرى الحالم ضفدعاً قابعاً على ورقة أو حجر، ثم يمد لسانه فيلتقط ذبابة طائرة ويبتلعها بسرعة، فيبقى المشهد في ذهنه بعد الاستيقاظ لخفته وطرافته. وهذه الرؤية تتكرر عند من أزعجه الذباب في أيامه أو شاهد هذا المنظر في مكان ما. ولا بد من التنبيه إلى أن تفسير المنامات رموز تحتمل أوجهاً عدة، وأنها لا تؤخذ على ظاهرها، ولا تُعد إخباراً بما سيقع في الحياة الواقعية.
والضفدع في عالم الرموز مخلوق يقيم بين الماء واليابسة، وهو علامة على الانتقال والتكيف، وعلى القفزات الصغيرة التي تعني فرصاً عابرة، وعلى النقيق الذي يرمز إلى كثرة الكلام. أما الذباب فهو في الأذهان رمز للمضايقات الصغيرة المتكررة التي لا تُحدث ضرراً كبيراً لكنها تستهلك الصبر والانتباه. وحين يلتقط الضفدع الذباب فإن الصورة تجمع بين الخفة والدقة وبين التخلص من ضوضاء صغيرة تحيط بالرائي.
وحين يكون الذباب مستهدفاً بلسان الضفدع السريع فإن بعض المفسرين يميل إلى أن ذلك إشارة إلى زوال مضايقات يسيرة أو إلى الاهتداء إلى حل سريع لمشكلة صغيرة. والضفدع لا يطارد الذباب بجهد ظاهر، بل ينتظر ثم يقتنص، فكأن في ذلك درساً في الصبر ثم الحركة في اللحظة المناسبة. وهذا كله استئناس بالمعاني لا يقين فيه، ولا نصوص صريحة تدل عليه.
ونُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين في باب الذباب أنه قد يدل على أمور صغيرة مزعجة أو على أناس يكثر لغطهم دون ضرر كبير، وأن ما يزيله من الحيوانات يدل على انصراف ذلك. وذهب بعض المفسرين إلى أن اقتناص الحيوان الصغير لما هو أصغر منه يدل على رزق خفيف. ومن الإنصاف أن نقول إن الضفدع قليل الذكر في كتب التعبير القديمة قياساً بالحيوانات الكبيرة، فأغلب ما يُذكر قياس على نظائر، وقد اختلف المعبرون في ذلك، فلا يصح توجيه شيء منه إلى شخص بعينه أو إلى جماعة.
وتتغير الدلالة بتغير التفاصيل. فإن التقط الضفدع الذباب بنجاح من أول محاولة فقد يُقرأ على سهولة الحل، وإن أخطأ ثم أصاب فقد يُقرأ على حاجة إلى محاولات صغيرة. وإن كان الذباب كثيراً حول الرائي فقد يُحمل على كثرة المشاغل الصغيرة. والمكان له وزنه، فالمشهد قرب الماء والخضرة أخف دلالة من المشهد داخل بيت مزدحم. وللشعور اعتباره: فمن ارتاح لتخلص المكان من الذباب قريب من حاجته إلى السكينة.
وإذا كان الرائي رجلاً فقد يُفهم الحلم عند بعضهم على أنه تخلص من مضايقات يسيرة في عمله أو من حديث لغو يدور حوله، وإشارة إلى أن حلاً بسيطاً قد يكون أقرب مما يظن. وإن كان تاجراً فقد يُحمل على معالجة مشكلة صغيرة في المخزن أو المعاملات. ويحسن به أن يعتمد على التدبير المنظم والتنظيف والتنظيم الفعلي، فهي أنفع من أي رمز.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة فقد يُقرأ الحلم على تخلصها من أحاديث وتعليقات صغيرة كانت تضايقها، وإلى أن الهدوء والصبر يجلبان لها الراحة. وإن كانت متزوجة فقد يُحمل على ترتيب شؤون البيت والتخلص من متاعب يومية صغيرة. وإن كانت حاملاً فالأقرب أن الحلم انعكاس لحساسيتها المتزايدة تجاه الروائح والمضايقات في هذه المرحلة، وهي حال معروفة، فلا داعي لأن تحمله على أكثر من ذلك.
ومن دقائق التفصيل أن ننظر: هل كان الذباب يعود بعد أن يلتقط الضفدع بعضه؟ فذلك قد يُقرأ على أن المضايقات الصغيرة تتجدد وتحتاج إلى صبر دائم. وهل كان الضفدع يلتقط الذباب بصمت أم مع نقيق؟ فالصمت أقرب إلى العمل الهادئ والنقيق إلى كثرة الكلام. وهل كان الرائي ينظر بإعجاب أم بضجر؟ فالإعجاب أقرب إلى تقدير الهدوء والدقة. وهل بقي الضفدع بعد ذلك ساكناً؟ فذلك قد يُقرأ على استقرار الأمر. وهي كلها احتمالات تقريبية.
ومن الناحية النفسية فهذا الحلم كثيراً ما يظهر عند من يتعبهم الضجيج الصغير المتكرر، كالإشعارات والمقاطعات وكثرة الطلبات. وهو يقترح بلطف أن نتعلم التركيز والانتظار ثم الحركة الدقيقة بدل أن نلوح بأيدينا في كل اتجاه. ومن المفيد أن يخصص الرائي أوقاتاً هادئة بلا مقاطعات، وأن يرتب أولوياته، وأن يغلق ما لا يحتاجه من مصادر الإزعاج. فإن الهدوء الذي يصنعه الإنسان بيديه يعيد إليه صفاء الذهن ويجلب له النشاط.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُتخذ سنداً لقرار حقيقي في العمل أو المال أو العلاقات. والأولى بمن رأى مثل هذا أن يدعو الله بالخير، وأن يحسن الظن به، وأن يمضي في يومه بقلب مطمئن. وأما الغيب وما فيه فلا يعلمه إلا الله وحده.
