من الأحلام العجيبة المنظر أن يرى الإنسان ضفادع صغيرة تتساقط من السماء كما يتساقط المطر. وهي صورة خيالية بحتة لا وجود لها في الواقع المألوف، ولهذا فهي تدخل في باب الرموز الخالصة أكثر من غيرها. والمنام في مثل هذا المشهد يستخدم لغة الصور الغريبة ليعبّر عن معنى نفسي أو رمزي بسيط. ولا بد من التأكيد أن تفسير الأحلام قراءة رمزية لا حرفية، وأن كل ما يُذكر هنا إنما هو احتمالات للتأمل لا أخبار عن مستقبل.
يرتبط الضفدع في الأحلام بالعيش بين الماء واليابسة، ويُنظر إليه رمزاً للتنقل بين الأحوال. وتفسَّر قفزاته بأنها فرص صغيرة، وصوته بأنه كلام كثير، وبداياته بأنها نمو من أصل متواضع. أما السماء في الأحلام فتُقرأ عادة على أنها جهة الأمل والتطلعات والأمور التي تأتي دون تخطيط. ومن اجتماع الأمرين يمكن أن يُقرأ المشهد قراءة رمزية على أنه مفاجآت صغيرة وفرص متعددة تأتي من حيث لا يحتسب الإنسان، دون أن يكون في ذلك أي إنذار.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين كلام عن الضفادع يختلف باختلاف الأحوال، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى ربطها بالكلام الكثير. ولكن الضفدع أقل حضوراً في كتب التعبير القديمة من الحيوانات الكبيرة، وأما هذا المشهد بعينه فلم يُنقل فيه تفصيل واضح، ولذلك فكل ما يُقال هنا قياس واجتهاد. واختلف المفسرون في دلالة ما يسقط من السماء عموماً، فمنهم من ربطه بما يأتي بغتة ومنهم من خصه بالمطر والخير. وهذا كله ظني، فلا يُعتمد عليه.
ومن القراءات المحتملة أن الصورة تعبّر عن مفاجآت صغيرة متعددة تأتي في وقت واحد، كرسائل أو مهام أو أخبار أو دعوات لم يكن الرائي يتوقعها. وقد تعبّر عن فرص صغيرة تتوالى على صاحبها دون تخطيط، تحتاج إلى خفة وسرعة في الاغتنام. وقد تكون صورة لشعور الإنسان بأن الأمور تأتيه من كل جهة دفعة واحدة، فيحس بالارتباك. وقد تكون تعبيراً عن خيال مرح لا غير، فالعقل في المنام يحب الغرائب.
وللتفاصيل أثر في المعنى. فإن كانت الضفادع تسقط برفق وتقفز على الأرض بسلام فالأقرب أن المشهد خفيف ولطيف، وإن سقطت بكثافة فقد يعبّر ذلك عن كثرة المستجدات. وإن كان الرائي مسروراً بالمشهد فهو أقرب إلى التفاؤل والدهشة السارة، وإن كان مرتبكاً فهو أقرب إلى الإحساس بتزاحم المستجدات. ولون الضفادع وحجمها والمكان الذي تسقط فيه، أكان حقلاً أم شارعاً أم بيتاً، يضيف سياقاً يخص حياة الرائي.
وبحسب أحوال الرائين، فقد تعبّر الصورة للفتاة غير المتزوجة عن تعدد الخيارات والفرص التي تلوح أمامها في دراسة أو عمل. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن مفاجآت صغيرة في شؤون الأسرة. وللرجل قد تشير إلى مستجدات متتالية في عمله. وللحامل قد تعبّر عن كثرة التوقعات والترتيبات التي تدور في ذهنها. وللتاجر قد تعبّر عن فرص صغيرة وطلبات مفاجئة. وهي قراءات عامة وليست حكماً على أحد.
ومن الجانب النفسي، فالأحلام الغريبة التي تخالف المألوف شائعة جداً، وهي من طبيعة النوم الذي يمزج الصور دون منطق. فقد يجتمع في ذهن الرائي مشهد مطر قرأ عنه ومشهد ضفادع رآها في كتاب أو برنامج، فيخرج منهما حلم عجيب. ولذلك لا ينبغي الاستغراب الشديد، فالدماغ يلعب بالصور كما يلعب الطفل بالمكعبات. وهذا التفسير البسيط كاف في أكثر الأحوال.
وعملياً يمكن للرائي أن يتعلم من هذا الحلم أن المفاجآت الصغيرة جزء من الحياة، وأن الاستعداد النفسي لها بالمرونة والهدوء أنفع من الذعر. وليحذر من الكلام الكثير والوعود السريعة حين تتزاحم الفرص، وليأخذ الأمور واحدة بعد أخرى. ومن شعر بارتباك فليأخذ نفساً عميقاً ويرتب أولوياته، فالضفدع الذي يقفز قفزة قفزة يصل كما يصل غيره.
ومن الدقائق التي تستحق الانتباه أن الأحلام العجيبة كثيراً ما تحمل طابعاً مرحاً لا جدياً، فهي أقرب إلى لوحة خيالية منها إلى رسالة. وقد تظهر بعد يوم مزدحم بالأخبار والمعلومات، فيخلط العقل بين ما قرأه وما رآه ويصنع منه مشهداً غير معقول. ومن يأخذ هذا الحلم بابتسامة ويعتبره مشهداً طريفاً من خيال الليل فقد أصاب، فلا يلزم كل حلم أن يكون له تأويل عميق، ولا ينبغي أن يُرهق الإنسان نفسه بالبحث عن معنى لكل صورة تمر عليه وهو نائم.
وفي الختام، فتفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في العمل أو المال أو السفر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليقابل الرائي ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليعلم أن ما يقدّره الله له خير وإن لم يدرك حكمته، وليواصل يومه مطمئناً هادئاً.
