قد يرى الحالم ضفدعاً يرتفع عن الأرض ويحلق في الهواء، بجناحين أو بغير جناحين، يعبر البركة والحديقة ويتجاوز الأشجار، فيستيقظ وقد ملأته الدهشة والابتسام. وهي رؤية خيالية الطابع تشبه ما نراه في الرسوم المتحركة والقصص الطريفة، وتتكرر عند من يميلون إلى الخيال أو شاهدوا ما يشبهها. ولا بد من التنبيه إلى أن تفسير المنامات رموز لا تؤخذ على ظاهرها، وأن هذه الصورة بوجه خاص مجازية بحتة.
والضفدع في عالم الرموز مخلوق يعيش بين الماء واليابسة، فهو علامة على الانتقال والتكيف، وعلى القفزات الصغيرة والفرص العابرة، وعلى النقيق الذي يرمز إلى الكلام الكثير. ومع أنه يجمع بين بيئتين فإنه لا ينتمي إلى الهواء، وحين يطير في الحلم يضيف إلى انتقاله بين الماء واليابسة بُعداً ثالثاً هو السماء، فتكون الصورة غالباً تعبيراً عن تجاوز المعتاد وعن انتقال أوسع من المألوف أو طموح يتخطى الحدود المعروفة.
وحين يطير الضفدع فإن بعض المفسرين يميل إلى أن ذلك قد يرمز إلى فرصة صغيرة ترتفع وتتسع أكثر مما كان متوقعاً، أو إلى فكرة بسيطة تأخذ مدى أبعد، أو إلى شخص الرائي نفسه وهو يتطلع إلى ما فوق حاله. وقد يُقرأ كذلك على أنه خيال خصب وأحلام يقظة. وهذا كله استئناس بالصور لا جزم، وهو يتعلق بالمجاز لا الواقع، ولا يعني أن شيئاً غير مألوف سيقع.
ونُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين في باب الطيران أنه قد يدل على ارتفاع أو سفر أو طموح بحسب حال الطائر، وأن من طار ما لا يطير قد يرمز إلى أمر خارج عن المعتاد. وذهب بعض المفسرين إلى أن اجتماع صفتين متعارضتين في مخلوق يدل على تحول أو أمر غريب. ومن الإنصاف أن نقول إن الضفدع قليل الذكر في كتب التعبير القديمة بالمقارنة مع الحيوانات الكبيرة، وإن هذه الصورة بالذات خيالية، فأغلب ما يُقال قياس، وقد اختلفت الآراء، فلا يصح توجيه شيء منه إلى شخص بعينه أو إلى جماعة.
وتتغير الدلالة بتغير التفاصيل. فإن كان الطيران هادئاً متزناً فهو أقرب إلى طموح متزن وفرصة تنمو بهدوء، وإن كان مضطرباً فهو أقرب إلى تعجل أو قلق. وإن طار قليلاً ثم عاد إلى الماء فقد يُقرأ على تجربة قصيرة ترجع بعدها الأمور إلى مجراها. وارتفاعه ومكانه ولونه تؤثر، وشعور الرائي ذو وزن: فمن ابتهج قريب من التفاؤل، ومن خشي على الضفدع قريب من حرص على أمر هش.
وإذا كان الرائي رجلاً فقد يُفهم الحلم عند بعضهم على أنه إشارة إلى فكرة أو مشروع يتجاوز حجمه المتوقع، أو إلى طموح يحتاج إلى أرض صلبة من التخطيط حتى لا يبقى في الخيال. وإن كان تاجراً فقد يُحمل على فرصة تبدو واعدة جداً، فيحسن به أن يتحقق منها بتأنٍّ ولا ينخدع ببريقها. والواقعية في الحساب هي الأصل.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة فقد يُقرأ الحلم على خيال خصب وأحلام جميلة تراودها، وتُنصح بأن تضيف إليها خطوات عملية وهدوءاً. وإن كانت متزوجة فقد يُحمل على أمنيات لتحسين أحوال البيت أو أمر مرتقب. وإن كانت حاملاً فالأقرب أن الحلم صدى لخفة النفس وأحلام اليقظة حول المولود المنتظر، وهي من طبيعة هذه المرحلة، فتستمتع بها وتدعو الله بالخير.
ومن دقائق التفصيل أن ننظر: هل كان الضفدع يطير بجناحين أم يحلق دونهما؟ فالجناحان قد يُقرآن على أسباب موصلة وتدرج، وعدمهما على قفزة خيالية. وهل كان يحمل شيئاً؟ فذلك قد يُقرأ على نقل خبر أو رزق. وهل طار فوق الماء أم فوق الشجر؟ فكل منهما يعدل القراءة. وهل نزل في النهاية بسلام؟ فذلك قد يُقرأ على أن الطموح يعود إلى الواقع بأمان. وهي كلها احتمالات تقريبية لا غير.
ومن الناحية النفسية فهذا الحلم يعبر في الأغلب عن رغبة الإنسان في تجاوز حدوده المعتادة، وعن شعور بأن في داخله إمكانات أكبر مما يظهر. وهو يدعو بلطف إلى أن نحلم ونتطلع، لكن مع الإبقاء على قدمين على الأرض، فخير الطموح ما اقترن بالتخطيط والصبر. ومن المفيد أن يكتب الرائي ما يتمنى تحقيقه ويقسمه إلى خطوات صغيرة، وأن يبدأ بأسهلها، فتتحول الأحلام تدريجياً إلى إنجازات.
وفي الختام، فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني، يُنظر إليه على أنه صورة مجازية لا غير، ولا يجوز أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي في العمل أو المال أو السفر. والأولى بمن رأى مثل هذا أن يدعو الله بالخير وأن يحسن الظن به. وأما ما يخبئه المستقبل فعلمه عند الله وحده.
