قد يرى النائم ضفادع كثيرة تملأ مكانًا واحدًا، تقفز وتتحرك في كل اتجاه، فيستيقظ مندهشًا من كثرتها وتزاحمها. وهذه الرؤيا تثير لدى الناس شعورًا متباينًا، فبعضهم يضحك لها وبعضهم ينفر منها لمجرد الازدحام. ولا بد من التذكير بأن الكثرة في الحلم لا تعني بالضرورة شيئًا حقيقيًا يحدث، فالتفسير هنا رمزي لا حرفي. وما نذكره قراءات محتملة، يتأمل فيها القارئ بلا جزم ولا خوف.
الكثرة في الرموز تضخّم المعنى الأصلي للمخلوق وتحوله من فرد إلى جماعة. والضفدع الذي يرتبط عند بعضهم بالنقيق والكلام، إذا كثر عدده صار صورة لأصوات متداخلة وأحاديث متشابكة تحيط بالرائي. ويراه آخرون صورة لفرص صغيرة كثيرة تتتابع في وقت واحد وتحتاج إلى فرز وترتيب. وقد يُفهم الازدحام أيضًا على أنه انشغال ذهني بأمور متعددة لا يتسع لها الوقت. وفي جانب آخر يرتبط الضفدع بالنماء والتكاثر الهادئ بعد المطر.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الضفدع يتصل بكثرة الكلام وعلو الصوت، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معنى قريب، وكثرتها قد تقوّي هذا الاتجاه عند من يأخذ به. وقال بعض المفسرين إن كثرة الحيوانات الصغيرة في الرؤيا تدل على كثرة الأحوال أو الأحاديث، واختلف غيرهم في ذلك. ولا نعلم تفصيلًا خاصًا بكثرة الضفادع في الكتب القديمة، فهي من الأبواب التي يغلب فيها القياس. والضفدع أقل حضورًا في كتب التعبير من الحيوانات الكبيرة، فلا ينبغي توجيه أي معنى إلى شخص بعينه أو فئة من الناس.
ويتغير المعنى بحسب مشهد الكثرة، فإذا كانت الضفادع متفرقة بهدوء فربما دل ذلك على تنوع بسيط غير مزعج، وإذا كانت متراكمة متزاحمة فربما أشار إلى انشغال كثير في الذهن. وللمكان أثر، فالضفادع الكثيرة عند الماء أقرب إلى الصورة الطبيعية، وفي مكان مغلق أقرب إلى الشعور بالضيق. وإذا كانت صغيرة فالمعنى أخف، وإذا علا نقيقها فالمعنى يميل إلى كثرة الكلام. ومشاعر الرائي أهم القرائن، فمن شعر بالأنس فخير ومن شعر بالضيق فلعل في يومه ازدحامًا.
وللفتاة غير المتزوجة قد تُقرأ الضفادع الكثيرة على أنها كثرة آراء وأحاديث حول أمر يخصها، فتحتاج إلى أن تصغي لنفسها وللمقربين الموثوقين. وللمرأة المتزوجة قد تشير رمزيًا إلى مهام البيت المتعددة وكثرة المتطلبات اليومية، فتدعوها إلى تنظيم الوقت وطلب العون. وهذه احتمالات تأملية ولا تعني أن شيئًا بعينه سيحدث.
وللرجل قد تكون كثرة الضفادع صورة لتعدد المهام والاتصالات والاجتماعات التي تتزاحم عليه، فيحتاج إلى ترتيب الأولويات. وللحامل قد تعكس الرؤيا ازدحام المشاعر والأفكار في هذه المرحلة، فتنفعها الراحة والحديث إلى من تثق به. وللتاجر قد توحي بكثرة العروض والطلبات والحسابات، فيحسن التروي في الاختيار بين الفرص الكثيرة، دون مجازفة ولا استعجال.
ومن الدقائق التي تُعين على الفهم أن يتذكر الرائي هل كان يستطيع عدّها أم أنها لا تُحصى، وهل كانت تتحرك في اتجاه واحد أم متفرقة، وهل اقترب بعضها منه أم بقيت بعيدة. فالتحرك في اتجاه واحد قد يوحي بانتظام الأمور، والتفرق قد يوحي بتشتتها. وإن كانت الضفادع تقفز في ماء صافٍ فقد يخفف ذلك من وقع الصورة، وقد يكون لمشاهد المطر في الأيام السابقة أثر في تكوين هذه الرؤيا.
ومن الناحية النفسية قد يكون الحلم تنبيهًا لطيفًا إلى أن في الحياة ضجيجًا زائدًا من أخبار وأحاديث ومهام، وأن النفس تحتاج إلى خلوة وصمت. وهو دعوة إلى تقليل ما نستقبله من أصوات، وإلى اختيار ما يستحق الإصغاء. ويمكن أن يكون كذلك صورة لانتعاش وتكاثر في مجال ما، تحتاج إلى حسن إدارة. وإن شعر الرائي بالخفة بعد الاستيقاظ فهذا دليل على أنه لم يتأثر بالصورة.
ومن المفيد أن نذكر أن الأحلام التي تتكرر فيها الكثرة قد تكون أثرًا من يوم مزدحم أو من متابعة كثيرة لأخبار وصور ومقاطع على الهاتف قبل النوم. فالعقل يعيد في الليل ما شُغل به في النهار بصورة رمزية مضخّمة. وفي هذه الحال لا يكون للرؤيا معنى أبعد من الدعوة إلى تخفيف الازدحام. ولعل أحسن ما يفعله الرائي أن ينام مبكرًا وأن يقلل المؤثرات قبل نومه.
وفي الختام، فكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في أمور الحياة الكبيرة. وخير ما يفعله من رأى رؤيا أن يدعو الله بالخير وأن يحسن الظن به، ثم يعود إلى عمله بهدوء. وعلم الغيب عند الله وحده، وما نحن إلا نتأمل صورًا رمزية لا أكثر.
