من الأحلام التي قد تثير الدهشة أن يرى الإنسان في بيته ضفادع كثيرة تقفز هنا وهناك في الغرف والممرات. وهي صورة غريبة المنظر لكنها في عالم الأحلام لا تعني ما قد يتبادر إلى الذهن من ظاهرها. والبيت في المنام يرمز في الغالب إلى حياة الإنسان الشخصية وأسرته وراحته النفسية. فاجتماع الضفادع فيه هو مشهد رمزي يتطلب قراءة هادئة. وتفسير الأحلام كله قراءة رمزية لا حرفية، وكل ما سيُذكر هنا احتمالات للتأمل وليس أخباراً عن المستقبل.
يرتبط الضفدع في رمزية الأحلام بالعيش بين عالمين، الماء واليابسة، ولذلك يُقرأ على أنه إشارة إلى الانتقال بين حالين والتغيير. وتُفسَّر قفزاته بأنها فرص صغيرة متتابعة، وصوته بأنه كلام كثير، وبداياته الصغيرة بأنها أمور تنمو شيئاً فشيئاً. وإذا كثرت هذه الكائنات في صورة واحدة فقد تُقرأ الكثرة على أنها تعدد في هذه المعاني، فتعدد الأمور الصغيرة والمشاغل والأحاديث أكثر منه أمراً واحداً كبيراً. وهذه قراءة رمزية هادئة بعيدة عن التهويل.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين كلام متفرق عن الضفادع، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معان تتعلق بالكلام الكثير. والحق أن الضفدع أقل حضوراً في كتب التفسير القديمة من الحيوانات الكبيرة، وأن الحديث عن كثرتها في البيوت لم يُفصَّل كثيراً، فمعظم ما يُقال هنا بالقياس على صفات هذا المخلوق ودلالة الكثرة في الأحلام عموماً. وقد اختلف المفسرون في أصل هذه الدلالات، فلا يصح أن يُعامل شيء منها معاملة الحكم الثابت.
ومن القراءات المحتملة أن الكثرة في البيت تعبّر عن تزاحم المشاغل الصغيرة في حياة الرائي، كالأعمال المنزلية والمواعيد والرسائل والطلبات المتفرقة. وقد تشير إلى كثرة الأحاديث في محيط الأسرة أو بين الأقارب والجيران، فالضفدع يرمز إلى الصوت. وقد تعبّر عن مرحلة انتقال تمر بها الأسرة، كتغيير سكن أو ترتيب جديد أو تبدل في الأدوار، فيظهر الانتقال في صورة كائنات تنتقل وتقفز. وقد يكون مجرد انعكاس لكثرة ما يدور في رأس الرائي ليلاً.
وللتفاصيل أثر كبير. فإن كانت الضفادع صغيرة هادئة فالأمر أخف وأقرب إلى شواغل يسيرة، وإن كانت كبيرة أو صاخبة فقد يعكس ذلك ضجيجاً أكثر في الحياة. وموضعها داخل البيت يضيف معنى، فالمطبخ يربط الأمر بشؤون الطعام والرزق اليومي، وغرف النوم بالراحة والعلاقات الخاصة، وباحة البيت بالصلات الاجتماعية. ولونها وحركتها وإن كانت تدخل أو تخرج كلها إشارات تُقرأ في سياق حال الرائي.
وبحسب أحوال الرائين، فللمرأة المتزوجة قد تعبّر الصورة عن كثرة مسؤوليات البيت وتعدد طلبات الأسرة، وهو شعور مألوف عند من يدير شؤون بيت. وللفتاة غير المتزوجة قد تعبّر عن تزاحم أفكار وخيارات وأحاديث حول مستقبلها. وللرجل قد تعكس تعدد التزامات الأسرة والعمل. وللحامل قد تعكس الاستعداد الذهني الكثير وتزاحم الأفكار قبل المولود. وهي كلها قراءات عامة لا توجَّه إلى أحد بعينه.
ومما يخفف أثر الحلم أن ينظر الإنسان إليه نظرة نفسية بسيطة. فالعقل أثناء النوم يرتب أفكار اليوم، وإذا كانت الأفكار كثيرة ومتزاحمة ظهرت صورها كثيرة ومتزاحمة. فلا يكون الحلم أكثر من تعبير عن امتلاء الذهن. وقد يكون سببه أيضاً صوت حقيقي سمعه الإنسان من خارج البيت أو شيء قرأه أو رآه قبل النوم، وهذا من أبسط التفسيرات وأقربها.
ومن الجانب العملي، يمكن للرائي أن يتخذ من الحلم فرصة لتنظيم شؤونه الصغيرة، فيكتب ما يشغله في ورقة ويرتبه بحسب الأهمية ويؤجل ما يمكن تأجيله. وليتعلم الهدوء وسط الكثرة، فالضفدع رغم قفزه الكثير لا يفقد توازنه. كما يمكن أن يكون الحلم دعوة إلى تهدئة البيت قليلاً وخفض الأصوات والمشاغل في المساء ليستريح أهله. ولا حاجة إلى الخوف من هذا المشهد، فهو في حقيقته صورة صغيرة لا تحمل شراً.
وليحرص الرائي على ألا يربط الحلم بأمر حقيقي في بيته، فلا يغيّر بسببه سكناً ولا يتخذ قراراً، ولا يظن بأحد من أهله أو جيرانه شيئاً. فالأحلام لا تصلح أساساً للاتهام أو الظن، وإنما هي صور تمر ثم تذهب. وإن أزعجه الحلم فليغسل وجهه ويقرأ ما تيسر من الأذكار المعروفة قبل النوم وينام مطمئناً.
وفي الختام، فتفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يجوز أن يكون أساساً لقرار حقيقي في شأن البيت أو الأسرة أو المال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وكل ما يجري فهو بعلمه وحكمته. فلنقابل ما نراه بالدعاء وحسن الظن بالله، ولنطمئن بأن بيوتنا في حفظه ورعايته إن شاء الله، وبذلك يهدأ القلب وتستريح النفس.
