قد يرى النائم كميات كثيرة من الثوم، أكوامًا عالية أو أكياسًا ممتلئة أو أرضًا مغطاة برؤوس لا تُعدّ، حتى يظن أن المكان كله قد امتلأ به. وهذه الرؤيا تقوم على الكثرة نفسها، فهي تختلف عن رؤية فص واحد أو رأس واحد، ويستدعي ذلك الوقوف عند معنى الكثرة في لغة الرموز. وما نذكره هنا قراءات ظنية لا قطع فيها، ننقلها للتأمل بروح هادئة، فلا نجزم ولا نخوّف أحدًا. ومن العادة أن تكون كثرة الأشياء في الحلم تعبيرًا عن إحساس بالزيادة أكثر منها حسابًا دقيقًا.
وفي أصل المعنى أن الكثرة تضاعف دلالة المرئي، فإذا كان الثوم رمزًا لرزق متواضع فكثرته قد تشير إلى أسباب رزق متعددة، ولكنها ما زالت في دائرة البساطة. ولهذا رأى بعضهم أن كثرة الثوم ترمز إلى كثرة العيال أو الأقارب أو الأعمال الصغيرة المتفرقة، وكأن البيت قد اجتمع فيه عدد من الأفراد. وقال آخرون إن الإفراط في الشيء الحاد قد يدل على كثرة كلام أو جدال، أو على انشغال ببنود كثيرة تتطلب صبرًا. وبين هذين الفهمين تتوزع الدلالات بحسب حال الرائي.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الثوم رزق قليل يصحبه تعب، فإذا كثر قد يُقاس على ذلك كثرة التعب أو كثرة الأسباب الصغيرة للرزق. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن كثرة الشيء في المنام قد تدل على غلبة معناه على حال الرائي. ولكن المفسرين اختلفوا اختلافًا واسعًا في هذه الأقيسة، ولا يُعرف لهم نص في كثرة الثوم تحديدًا، فنحن نحكي ما قد يُفهم منها ونقر بحدود هذا الفهم.
ويتغير المعنى بحسب شكل الكثرة، فإن كان الثوم مرتبًا في أكياس أو ضفائر منظمة فهو أقرب إلى وفرة محسوبة وتدبير حسن. وإن كان مبعثرًا يغطي الأرض فقد يوحي بفوضى في أمور كثيرة تحتاج ترتيبًا. وإن كان طازجًا نظيفًا فهو أخف وأطيب، وإن كان متعفنًا فقد يوحي بكثرة تُهدر. وإن شعر الرائي بالسرور أمام هذه الكثرة فهي أقرب إلى القناعة والفرح، وإن شعر بالضيق فقد تدل على إرهاق من كثرة الالتزامات.
وللرجل قد يدل الثوم الكثير على تعدد مصادر عمله أو مهامه، أو على أسرة كبيرة يعولها، وعلى حاجته إلى تنظيم وقته ومصروفه. وللتاجر قد يشير إلى بضاعة وفيرة في مخزنه تحتاج إلى تصريف حكيم، أو إلى تنوع في زبائنه. وللموظف قد يوحي بتراكم المهام الصغيرة. وهذه تأويلات احتمالية، ولا يصح أن يتخذ منها المرء مبررًا للاستدانة أو الإنفاق أو التوسع.
وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ الثوم الكثير على أنه كثرة أعبائها المنزلية، أو كثرة الضيوف والأقارب في بيتها، أو تعدد مسؤولياتها بين الأولاد والمطبخ والزيارات. وللحامل قد يرتبط بالتحضير لوجود عدد كبير من المتطلبات قبل الولادة، وهو غالبًا حديث نفس. وللفتاة غير المتزوجة قد يوحي بكثرة اهتماماتها أو خياراتها في الحياة، وحاجتها إلى ترتيب أولوياتها. وهذه كلها قراءات تقريبية لا يُجزم بها.
ومن الدقائق أن يُنظر في المكان الذي تجمّع فيه الثوم، فالبيت غير السوق غير الشارع، وكل مكان يغيّر الدلالة. وفي رائحة المكان، فإن كانت قوية جدًا فقد توحي بأثر ظاهر لا يُخفى، وفي قدرة الرائي على التحرك بين الأكوام، فإن تعثر بها فقد يدل على ثقل الأعباء. وفي من يشاركه في رؤية الكثرة، فقد يدل وجود الأهل على أن الأمر مشترك بينهم. وهذه كلها إشارات تقريبية يتفاوت فيها أهل التعبير.
ومن الناحية النفسية، قد تعبّر الكثرة في الحلم عن إحساس بالامتلاء والضغط، كأن الحياة قد حشدت في اليد أكثر مما تُطيق من التفاصيل الصغيرة. وفي هذا دعوة إلى التبسيط وفرز الأولويات، وتفويض بعض المهام، وإعطاء النفس راحة. وقد تحمل معنى إيجابيًا أيضًا هو الشعور بوفرة النعم الصغيرة التي لا تُحصى، فكم في حياتنا من بسيط كثير. ومن أخذ بالمعنى المناسب لحاله انتفع.
وليس بعيدًا أن يكون الحلم قد جاء بعد زيارة سوق أو مشاهدة كميات كبيرة من الثوم في مقطع مصوّر أو محل، فتتضخم الصورة في المنام كما تتضخم الأشياء في الأحلام عادة. وفي هذا الاحتمال لا يكون لها رمز بعيد، وهو ما يجدر استحضاره قبل التعمق في تأويلات متكلفة. فالأحلام تميل إلى المبالغة في الأحجام والأعداد.
وأخيرًا فإن تعبير الرؤى ظن واجتهاد بشري يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الاستدانة أو غير ذلك. فليدعُ الإنسان ربه بالخير، وليحسن الظن به، وليأخذ بالأسباب وبمشورة أهل الخبرة. وما سيأتي به الغد من أحوال وأرزاق فعلمه عند الله وحده. فليطمئن القلب وليهدأ البال.
