رؤية الثوم في الأنف داخل المنام صورة غريبة وطريفة معاً، كأن يشمّ الرائي رائحة الثوم نفّاذة، أو يرى الثوم عند أنفه، أو يشعر بأن الرائحة تملأ رأسه. وقد يستيقظ وفي أنفه إحساس يدفعه إلى السؤال عن معنى الصورة. والأصل أن تفسير الأحلام رموز تُقرأ بحذر وتواضع، ولا تُعدّ أخباراً قاطعة بما سيقع. والأنف حاسة حساسة، وكثيراً ما تتأثر الأحلام بروائح الغرفة أو برد أو جفاف في النوم، فلا تسارع إلى التفسير.
والثوم في الرموز نبتة متواضعة قوية الرائحة، رأسها مؤلف من فصوص صغيرة، وقد ربطه بعض المفسرين بالرزق البسيط الذي يأتي بعد مشقة، وبالصبر، وبالكلمة الحادة. والأنف في الأحلام قد يرتبط بالكرامة والهيبة بين الناس، وبالانتباه إلى ما حول الإنسان من أخبار وأمور. ومن اجتماع الصورتين قد يُفهم على وجه الاحتمال أن في أمر ما رائحة تلفت الرائي وتشغله، وأنه ينتبه إلى شيء يريد التيقن منه. وهي قراءة للتأمل لا للجزم.
نُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن الثوم يدل على مال فيه مشقة، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يتصل بالكلام الحاد أو الكدّ. ولا نعرف عنهما كلاماً مخصوصاً بالثوم في الأنف، ولذلك فإن الربط من باب الاجتهاد الرمزي. وقد اختلف المفسرون في هذه الرموز، وتتفاوت نسبة الأقوال إلى أصحابها. فنحن نصف قراءات ولا نقرر حقائق، ولا نبني عليها حكماً على أحد.
ويتغير المعنى بحسب مشهد الحلم. فإن كانت الرائحة طيبة خفيفة فقد توحي بأمر مستحب الحضور، وإن كانت نفّاذة مزعجة فقد تعكس انزعاجاً من أمر يلح على الرائي. وإن شمّ الثوم من بعيد فقد يعكس انتباهاً لخبر يقترب، وإن شمّه من قريب فقد يعكس انشغالاً بأمر قريب منه. وإن كان يتضايق ويحاول إبعاده فقد يعكس رغبة في الابتعاد عن أمر مزعج. ويبقى شعور الرائي هو أقرب دليل إلى المعنى.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ الحلم على أنه صورة لانتباهها لما يقوله الناس عنها أو حولها، ولا يُفهم منه خبر بشيء. وللمرأة المتزوجة قد يرتبط بحساسيتها لما يجري في بيتها وبيئتها. وللرجل قد يرتبط بيقظته في أمور عمله وما يُقال فيه. وللحامل قد يعكس زيادة حساسية الشم المعروفة في هذه الفترة، وهو أمر عادي. وللتاجر قد يعكس حرصه على تتبّع أخبار السوق. وكلها قراءات عامة.
ومن الدقائق أن يرى الرائي أنه يمسح أنفه من الثوم فقد يعكس رغبة في التخلص من أمر مزعج، وإن رأى أحداً يقرّب الثوم من أنفه فقد يعكس شعوراً بأن أحداً يلحّ عليه بأمر. وإن رأى أن الرائحة تزول بسرعة فقد تعكس مروراً سهلاً للأمر. وإن رأى الثوم يتحول إلى عطر لطيف فقد يوحي بلين بعد حدة. وكلها رموز لا تحمل حكماً مؤكداً ولا تنذر بشيء.
ومن الناحية النفسية، فإن الشم أقوى الحواس ارتباطاً بالذاكرة والمشاعر، وكثيراً ما تتسلل الروائح إلى الأحلام فتعيد ذكريات أو مواقف قديمة. فقد يكون الثوم هنا ذكرى مطبخ البيت القديم أو موقفاً مرتبطاً برائحته. ولا بأس أن يتأمل الرائي ما تذكّره به الرائحة، وأن يبتسم لها إن كانت جميلة أو يتجاوزها إن كانت مزعجة. وفي الحالين تبقى الصورة مرآة للذاكرة لا أكثر.
ومن العبر الجميلة أن الإنسان الحكيم يشمّ الأمور قبل أن تقع، أي ينتبه إلى مقدماتها ويتحرى قبل أن يحكم، لكنه لا يبني حكمه على الظن وحده. فليأخذ الرائي من الصورة معنى التبصر وحسن التثبت، وألا يصدق كل ما يقال، وأن يتحرى الصدق قبل أن يتخذ موقفاً. وهذا معنى جميل يفيد كل إنسان في أمور حياته، ولا علاقة له بتنبؤ أو غيب. فحسن التثبت من أسباب السلامة.
ومما يُلاحظ أن أحلام الروائح تكثر عند من ينام في غرفة فيها أثر من طعام أو بخور أو عطر، وعند من يمر بنزلة برد أو حساسية تغيّر حاسة الشم، فتخلط الأحلام بين الحقيقة والخيال. وهذا يعني أن كثيراً من هذه الصور لا يحتاج إلى بحث عن معنى، بل يكفي أن نعرف أن الحواس تعمل أثناء النوم بطريقتها الخاصة. فإن وجدت الرائحة في حلمك ثم لم تجدها بعد الاستيقاظ فاطمئن، فالأمر مجرد صورة ذهنية. وليكن همك أن تنام في مكان نظيف مهوّى، وأن تبدأ يومك بنشاط وذكر لله.
وفي الختام، تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يكون أساساً لأي قرار حقيقي في العلاقات أو العمل أو غيرهما. فليقابل الرائي ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله وطلب الهداية إلى الصواب. وما سيكون لا يعلمه على الحقيقة إلا الله وحده، فليتحرّ الحق في أموره وليتوكل عليه.
