قد يرى بعض الناس في منامهم ثومًا متعفنًا، بقعه داكنة وروائحه ثقيلة وفصوصه لينة متهرئة أو مغطاة بطبقة خضراء أو سوداء. وهذه صورة غير مريحة، ولكن لا ينبغي أن يخيف الإنسان نفسه بها، فالأحلام كثيرًا ما تأتي بصور منفرة لتعبر عن مشاعر عادية. ومعنى العفن في عالم الرموز يتصل غالبًا بالفساد وسوء الحفظ والإهمال، وما نذكره هنا قراءات ظنية لا جزم فيها. فنتناولها برفق ودون خوف.
وأول ما يخطر في معنى العفن هو التغير الذي يصيب الشيء بعد أن كان صالحًا، فالثوم الذي فسد كان قبل ذلك طعامًا نافعًا. ولهذا قال بعضهم إنه يرمز إلى رزق تعرّض للتلف أو فرصة ضاعت بالإهمال، أو إلى أمر كان يمكن إصلاحه لو تدارك في وقته. وقال آخرون إنه يدل على علاقة أو عادة تحتاج تنظيفًا قبل أن يستفحل أثرها، أو كلام ثقيل ترك أثرًا لا يزول. وهذه المعاني تدور حول المراجعة والتدارك لا حول الخوف.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُنقل عنه أن الثوم رزق يسير مع تعب، وأن فساد الطعام في الرؤى قد يدل على ضياع نفع أو تعب لا ثمرة له. وذهب النابلسي في بعض ما يُحكى عنه إلى أن ما يفسد من الأشياء في المنام قد يشير إلى مال أو أمر قارب على الذهاب إن لم يُحفظ. ومع ذلك فقد اختلف المفسرون في تفصيل الدلالات اختلافًا بيّنًا، ولم يخصوا الثوم المتعفن بنص معروف. فنحن نحكي ما قيل قياسًا لا قطعًا.
ويتغير المعنى بحسب درجة الفساد، فإن كان العفن يسيرًا في فص أو فصين فهو أقرب إلى أمر صغير يمكن تداركه بسهولة. وإن كان الرأس كله فاسدًا فقد يوحي بأمر طال إهماله وحان وقت التخلص منه. وإن كان الرائي يرمي الفاسد ويحتفظ بالسليم فهو أقرب إلى حسن تدبير وفرز حكيم. وإن كان يأكل منه أو يتضايق بشدة فقد يدل على تحمل لأمر مضر عن غير وعي. والروائح الكريهة قد توحي بكلام أو خبر منفّر.
وللرجل قد يُقرأ هذا الحلم على أنه تنبيه إلى مراجعة أمر في عمله أو ماله أو علاقاته كان يؤجله، من غير أن نجعل ذلك نبوءة بخسارة. وللتاجر قد يذكّره بتفقد بضاعته وحسابه ومخزونه، فالغفلة تفسد حتى القليل. وللموظف قد يوحي بضرورة ترتيب أوراقه ومهامه. وهذه كلها تأملات عملية، ولا يصح أن يُبنى عليها قرار مصيري أو ينتابه قلق مفرط.
وللمرأة المتزوجة قد يكون الحلم تذكيرًا بتفقد مؤونة البيت وأغراضه، أو بمعالجة جفوة صغيرة في الأسرة قبل أن تكبر. وللحامل قد تكون الرؤيا من أثر حساسية الروائح وتقلب المزاج الذي يصاحب الحمل، فلا يُحمّل رمزًا. وللفتاة غير المتزوجة قد يوحي بعلاقة أو صحبة لا تناسبها يحسن مراجعتها بهدوء، وهو احتمال ظني لا يُجزم به. وتبقى هذه كلها قراءات.
ومن الدقائق أن يُنظر في لون العفن، فالأخضر قد يوحي بتأثر الرطوبة والإهمال، والأسود بقدم الأمر، والأبيض بدايته. وأين وُجد الثوم، أفي ركن مهمل أم في سلة أم في كيس نايلون، فمكان الحفظ قد يشير إلى مصدر الإهمال. وهل صاحب الرؤيا هو الذي أهمله أم وجده هكذا، فمن وجده يكون الأمر عنده خارجيًا. وهذه إشارات تقريبية يختلف فيها المفسرون.
ومن الناحية النفسية، تحمل هذه الرؤيا رسالة تدعو إلى التنظيف المعنوي، أي مراجعة العادات والعلاقات والأفكار التي بدأ يعلوها الصدأ، والتخلص مما لم يعد نافعًا. وليس في ذلك شيء مخيف، بل فيه دعوة هادئة إلى ترتيب البيت الداخلي. كما قد تذكّر بأهمية الاعتناء بما نملكه من نعم صغيرة قبل أن تضيع بالغفلة. ومن أخذ ذلك بروح خفيفة انتفع به.
وقد يكون الحلم مجرد صدى لرؤية ثوم فاسد حقيقي في المطبخ أو لحديث عن تنظيف الثلاجة والمخزن، فتختلط الصورة بالذاكرة. وفي هذا الاحتمال يكون الأمر بلا رمز عميق. وإدراكه يريح القلب من توقع شر لا أساس له، ويعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي.
ومما يحسن ذكره أن بعض المفسرين نبّهوا إلى أن الرؤيا المكروهة لا يحسن أن يُبالغ في تتبع دلالاتها، وأن الأولى هو الإعراض عن التفكير فيها وعدم تحديث الناس بها، حتى لا تتحول إلى هاجس يؤرق صاحبها. وفي هذا المعنى رحمة بالنفس، فكثير من الأحلام لا تحمل شيئًا سوى ضغط الأيام أو ما أكله الإنسان أو ما رآه قبل نومه. وهكذا يتحول الثوم الفاسد في الحلم من مصدر قلق إلى مناسبة بسيطة لتنظيف المطبخ وترتيب الأفكار.
وأخيرًا نؤكد أن تفسير الرؤى ظن واجتهاد بشري قابل للخطأ، وأن الرؤيا المكروهة لا تضر ولا تدل على وقوع شر، ولا يجوز أن تُبنى عليها قرارات حقيقية. فمن رأى ما يكره فليحسن الظن بربه، وليدعُ بالخير، ولا يشغل نفسه بتأويله. وما سيحدث غدًا فأمره إلى الله وحده. فليطمئن القلب وليهدأ البال.
