حين يرى المريض الثوم في منامه فقد يظن أن في الأمر رسالة تخصه وتخص حاله، وهذا شعور مفهوم عند من يقضي أياماً طويلة في الراحة والانتظار. غير أن أول ما ينبغي أن يطمئن إليه أن الثوم صورة مألوفة جداً في الأحلام، وأن رؤيته لا تحمل في ذاتها أي خبر عن المرض أو الشفاء. فالأحلام رموز تُقرأ بحذر وهدوء، ولا تتحدث بلغة الطب. وقد يظهر الثوم في المنام لمجرد أن صاحبه سمع عنه أو شمّ رائحته أو فكر في الطعام قبل النوم.
والثوم في الرموز كما يتحدث عنه بعض المفسرين نبتة متواضعة قوية الأثر، تجتمع فصوصها الصغيرة داخل غلاف واحد. فمن الصور التي تُذكر له الصبر والتحمل، ومنها الرزق البسيط الذي يأتي هادئاً، ومنها القوة الكامنة في الأشياء الصغيرة. وقد يجد المريض في هذه الصور معنى لطيفاً يتصل بصبره على أيام الراحة الطويلة، وبأن في داخله طاقة هادئة لا تظهر دائماً. وهذه معانٍ للتأمل والأنس فحسب، وليست وعداً بشيء.
نُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن الثوم يدل على مال فيه شيء من المشقة، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه قد يتصل بكلام حاد أو برزق يحتاج إلى كدّ. ومن الإنصاف أن نقول إن هذه الأقوال عامة، ولا تتعلق بالمرضى ولا بالأصحاء على وجه الخصوص، وإن نسبتها إلى قائليها ليست دائماً موضع اتفاق. ونحن ننقلها لنعرف ما ذكره أهل هذا الفن، لا لنحكم بها على حال أحد. وليس في شيء منها ما يربط الثوم بدنو أمر مخيف، ولا ينبغي لأحد أن يفهمه على هذا النحو.
وقد يتغير الانطباع بحسب ما يراه المريض في الحلم. فإن رأى الثوم أبيض نظيفاً في طبق أو في كفه فقد يكون أقرب إلى الصورة الهادئة المطمئنة، وإن رأى الثوم مطبوخاً ذا رائحة طيبة في بيت دافئ فلعله أقرب إلى الشعور بالألفة والعناية. وإن شعر بالنفور من رائحته فقد يعود ذلك ببساطة إلى ما يمر به جسمه من تغير في الشهية والحواس، وهو أمر عادي لا يحتاج إلى تأويل. ويبقى شعوره داخل الحلم أقرب مفاتيح فهمه.
ومن المعاني الجميلة التي قد يلتفت إليها المريض أن الثوم يتكون من فصوص كثيرة صغيرة يضمها غلاف واحد، فكأن في ذلك صورة للأهل والأحباب الذين يحيطون به ويتماسكون حوله. فالمرضى في الغالب محاطون برعاية من يحبونهم، وقد يرى العقل هذه الرعاية على هيئة صورة مألوفة. وقد يكون في الحلم أيضاً تذكير بأن القوة لا تُقاس بالضجيج، فالثوم صغير الحجم لكنه قوي الحضور. وكل هذا من باب الأنس وإحسان الظن بالرؤى.
وللتفاصيل مجال في فهم الرؤيا. فمن رأى الثوم في مطبخ أمه أو زوجته قد تنقل نفسه شعور الحنان والاعتناء، ومن رآه في سوق قد تنقل نفسه رغبته في الخروج والعودة إلى الحياة المعتادة. ومن رأى نفسه يقشّره بتأنٍّ قد يكون ذلك صدى لصبره على الأيام البطيئة. وهذه كلها قراءات رقيقة لا تحمل حكماً، وإنما هي مرايا صغيرة لما في النفس من مشاعر الأمل والتعب.
وأما من الجانب النفسي، فالمريض أحوج الناس إلى الطمأنينة، ومن الحكمة أن يتعامل مع أحلامه بخفة وبلا قلق. فليتذكر أن العقل في أيام الراحة قد يجمع من الصور ما لا يُحصى، وأن أكثرها لا يعني شيئاً. ويحسن به أن يحيط نفسه بالكلام الطيب، وأن يستمع لنصيحة طبيبه ويطمئن إلى ما يقوله أهل الاختصاص، فهم أهل العلم بما يخص صحته. وليجعل من هذا الحلم ابتسامة صغيرة تقوّي صبره، لا سبباً لتخوف.
وإذا زاره الأحباب فليحدثهم عن الحلم مبتسماً وليتركهم يبتسمون معه، فالمرح الهادئ يخفف الثقل. ومن اللطيف أن يتذكر أن الأحلام الجميلة والمزعجة تمر على الأصحاء كما تمر على المرضى سواء بسواء. فلا شيء في رؤية الثوم يميّز مريضاً عن غيره، وهذا مدعاة للاطمئنان. وليكن همّه أن يحسن الدعاء لنفسه وللمرضى جميعاً بالعافية، وأن يرضى بما يقدّره الله له ويحسن الظن به في كل حال.
وقد يلاحظ المريض أن أحلامه في أيام المرض تصبح أوضح وأكثر تفصيلاً مما كانت في أيام الصحة، وهذا أمر معروف عند كثير من الناس لأن النوم يتقطع ويطول فتتاح للأحلام فرصة أكبر للظهور. فلا يرى في ذلك علامة على شيء، ولا يفتش عن معنى لكل صورة تمر عليه. والأجمل أن يحوّل هذه الأحلام إلى موضوع حديث لطيف مع من يزوره، فيضحك ويضحكون، وتخف عن الجميع ثقل الأيام. وليعلم أن الدعاء بالعافية والصبر الجميل أبقى أثراً في النفس من أي تفسير.
وفي الختام، تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أبداً أن يكون أساساً لقرار حقيقي، ولا سيما ما يتعلق بالعلاج أو الصحة، فهذه مكانها الطبيب وأهل الاختصاص. فليقابل المريض ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله وطلب العافية. وما سيكون في الغد لا يعلمه على الحقيقة إلا الله وحده، فليسكن قلبه وليتفاءل بكل خير.
