الرؤيا في المنام لغة رمزية هادئة، وليست إخبارًا حرفيًا عن شيء بعينه. وحين يرى الرائي دجاجة ثم يراها تبتعد عنه ببطء، تمشي وتتركه ماضية في طريقها، فإن الصورة تحمل معنى الابتعاد التدريجي. والابتعاد في الأحلام يُقرأ غالبًا على أنه انتقال أو انقضاء مرحلة أو تأجيل أمر. ولذلك تتجه القراءة هنا إلى معاني الصبر والتهيؤ وقبول ما يتغير. وكل ما يرد اجتهاد عام يحتمل الصواب والخطأ.
الدجاجة طائر أليف يعيش قرب البيوت، ويعطي بيضه ويرعى صغاره بصبر وانتظام. ولهذا ارتبطت في الرمزية بالرعاية والدفء والأمومة والرزق الهادئ. فإذا ابتعدت بعد ظهورها فقد يعبر ذلك عن أمر من هذه المعاني يمضي في طريقه، أو يحتاج إلى وقت ليعود. وليس الابتعاد دليلًا على فقد، فالدجاجة بطبعها تتحرك وتعود إلى مأواها. وهذه معان عامة تتغير بتغير التفاصيل.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما تناقله المعبرون أن الدجاجة قد ترمز إلى امرأة نافعة قريبة من البيت، وأن بيضها يشير إلى مال أو خير يتجدد. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنها قد تدل على رزق يأتي بالتدريج. أما ابتعادها بعد رؤيتها فهو من التفاصيل الأقل تناولًا في الكتب القديمة بالنسبة لهذا الرمز، ولذلك يبقى فيه مجال واسع للاجتهاد. كما أن الأقوال تتفاوت بين المعبرين ولا اتفاق تام على كل تفصيل. فالأولى أن تُؤخذ هذه الأقوال إشارات عامة لا قواعد جازمة.
للسياق أثر كبير في الرؤيا، فدجاجة تبتعد بهدوء نحو بيتها تختلف عن دجاجة تهرب مذعورة. وحال الرائي قبل النوم مؤثر أيضًا، فمن كان في مرحلة انتقال أو مفارقة لأمر مألوف قد تظهر له صور الابتعاد. وإذا كان شعوره في الحلم مريحًا فهو أقرب إلى معاني الخير والسكينة. وإذا كان متحسرًا فقد يكون أثرًا لانشغاله بأمر ينقضي. ويحسن أن يتذكر الشعور أكثر من اتجاه المسير.
إذا رأى الرائي الدجاجة تبتعد وهو مرتاح، فقد يُقرأ ذلك على أنه انقضاء مرحلة بسلام وتهيؤ لما بعدها. وإذا ابتعدت وهو ينظر إليها فقد يعبر ذلك عن تأمل في أمر يمضي. وإذا ابتعدت ثم التفتت إليه فقد يرتبط المعنى بأمر يمضي مع بقاء صلة به. وقد يدل المشهد على أن الرزق يحتاج إلى سعي لا إلى انتظار. وكل ذلك احتمالات ظنية لا تُجزم بها.
وإذا ابتعدت الدجاجة نحو بيت فقد يُقرأ ذلك على أنه عودة إلى استقرار مألوف. وإذا ابتعدت نحو طريق مفتوح فقد يميل المعنى إلى انفتاح مرحلة جديدة. وإذا ابتعدت مع صغارها فقد يرتبط المعنى برعاية تتحول إلى مكان آخر. وإذا لحقها الرائي فقد يُقرأ ذلك على أنه رغبة في استعادة أمر مألوف، وربما كان الأولى الصبر. وتظل هذه القراءات متفاوتة بحسب الحلم.
والتفاصيل الدقيقة تعطي الصورة اتجاهها، ومنها لون الدجاجة وحجمها وعددها وسرعة ابتعادها. فالبيضاء تميل إلى الصفاء والهدوء، والسوداء قد تشير إلى انشغال أو هم عابر، والملونة إلى تنوع الأحوال. والابتعاد البطيء يميل إلى التدرج في الأمور، والسريع إلى تغير أسرع. ويحسن تأمل هل كانت الدجاجة وحدها أم مع غيرها. وليس المطلوب أن يُفسر كل تفصيل.
من الناحية العملية والنفسية، قد يعكس المشهد حالة انتقال يعيشها الرائي أو قلقًا طبيعيًا من تغير الأحوال. والعقل في النوم يستعير صورًا بسيطة ليعبر عن شعور المفارقة. فإن كان الحلم مريحًا فهو دعوة إلى تقبل التغير بهدوء والاستعداد لما بعده. وإن كان مقلقًا فهو فرصة لمراجعة ما يشغل الرائي من فراق أو تغيير والتحدث عنه مع من يثق به. وليس من الحكمة أن يتخذ الرائي قرارًا كبيرًا بسبب رؤيا وحدها.
ومما ينفع الرائي أن يتعامل مع الرؤيا بمرونة، فلا يجعل الابتعاد علامة على فقد ولا يعده دليلًا على أمر بعينه. فقد يكون الحلم ناتجًا عن مشهد رآه في يومه أو ذكرى من الريف أو بيت قديم. وإذا تكرر المشهد فقد يكون أثرًا لانشغال الذهن بأمر محدد. ومن المفيد أن يكتب ما تذكره ثم يعود إليه بعد أيام. وبذلك تتضح الصلة بين الحلم وما يعيشه فعلًا.
وفي الختام، كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وليس علمًا يقينيًا بما سيكون. فليحسن الرائي الظن بالله، وليدع بأن يجعل ما رآه خيرًا وأن يبارك له في رزقه وأهله. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُبنى على الرؤيا خوف ولا اتكال يغني عن العمل. وإن رأى ما يسره فليشكر الله، وإن رأى ما يزعجه فليطمئن وليأخذ بالأسباب. والسكينة وحسن الظن بالله خير ما يصحب كل انتقال.
