يرى بعض الناس في المنام طفلًا مريضًا، فيستيقظون وفي القلب قلق ثقيل لا يزول بسهولة. هذا النوع من الأحلام شائع بين الآباء والأمهات وكل من يرعى الصغار، وتفسيره يقوم على الرموز لا على الوقائع. يجب التنويه أولًا إلى أن الرؤيا رمزية وليست تشخيصًا لأي مرض، ولا تتنبأ بحال طفل بذاته. وليست هذه الفقرة ولا غيرها نصيحة طبية، فإذا ظهرت على طفل أعراض حقيقية مثل الحرارة أو السعال أو الخمول أو رفض الطعام فمراجعة طبيب أطفال هي الخطوة الصحيحة دون تأجيل. أما الحلم فيُقرأ بهدوء بوصفه صورة تعكس ما يحمله الرائي في داخله.
المرض في الأحلام يرتبط في الغالب بمعاني التعب والضغط وحاجة النفس إلى الانتباه والراحة. والطفل يرمز إلى الضعف اللطيف والحاجة إلى الرعاية والبدايات الجديدة، وإلى جانب البراءة في الإنسان نفسه. فإذا اجتمع الطفل والمرض في صورة واحدة، فقد يشير ذلك إلى قلق من ضعف يحتاج إلى حماية، أو إلى مشروع جديد يخشى صاحبه عليه. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالصورة تتلون بحال الرائي وما يمر به من ظروف. وكثيرًا ما تكون خلفها مسؤولية مرهقة أو خوف عادي على من يحبهم الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب المرض أن رؤيته تُحمل على ضعف في حال الرائي أو انشغال في باله، وأن تفاصيل الرؤيا هي التي توجه المعنى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأحوال المحيطة بالمريض في الحلم، كالمكان والمرافق والحالة العامة، لها أثر كبير في القراءة. وتختلف الآراء في هذه الأبواب، ولا يوجد قول واحد متفق عليه يمكن الاعتماد عليه وحده. كما أن نسبة بعض هذه المعاني إلى أصحابها تحتاج إلى حذر، لأن الكتب المتأخرة كثيرًا ما تزيد وتنقص. ولذلك يبقى الأسلم أن يؤخذ ما يُذكر بوصفه إشارات عامة لا أكثر.
يتغير المعنى بتغير السياق، فالطفل المجهول يختلف عن الطفل المعروف، والطفل الذي يبدو هادئًا يختلف عن الذي يبكي. إذا كان الطفل في الحلم من أبناء الرائي، فالأقرب أن الحلم صدى لاهتمام يومي ولخوف مألوف يعتري كل والد. وإذا كان الطفل غريبًا لا يعرفه الرائي، فقد يرمز إلى جانب هش في نفسه أو إلى أمر صغير يحتاج إلى عناية. وإذا كان في الحلم من يعتني بالطفل ويقف إلى جانبه، فذلك يميل إلى الإشارة إلى وجود سند وعون في حياة الرائي. أما إذا ظل الرائي وحيدًا أمام الطفل فقد يعبّر ذلك عن شعور بثقل المسؤولية.
بالنسبة للأم أو الأب، يرتبط الحلم عادة بحمل المسؤولية وكثرة التفكير في الصغار، خاصة في أوقات الامتحانات أو تغيّر الفصول أو بدء الدراسة. وقد يأتي بعد سماع أخبار عن أمراض موسمية أو بعد يوم مزدحم بالمهام، فيكون انعكاسًا لما في الذهن لا أكثر. وللأم الجديدة قد يكون مرتبطًا بالسهر والإرهاق وقلة النوم. وللأب قد يرتبط بهمّ توفير الاحتياجات وتحمل الأعباء. والمهم أن يخفف الرائي عن نفسه ويطلب العون من أهله حين يشعر بالتعب.
أما الرائي الذي لا أبناء له، فقد يشير الحلم إلى جانب طفولي في نفسه يحتاج إلى حنان واهتمام، أو إلى مشروع جديد يخشى عليه. وإذا كانت الرائية شابة غير متزوجة، فقد يعكس اهتمامها بإخوتها الصغار أو بأبناء أقاربها. والمعلم أو العامل مع الأطفال قد يرى هذا الحلم بسبب طبيعة عمله ومشاعره نحو من يرعاهم. وكبير السن الذي يرى حفيدًا مريضًا قد يعبّر عن شوقه وخوفه اللطيف عليه. وفي كل هذه الحالات يبقى الحلم تعبيرًا عن العاطفة لا خبرًا عن واقع.
للتفاصيل الدقيقة أثرها في القراءة. فإذا كان الطفل في الحلم نائمًا بهدوء، فذلك أقرب إلى معنى الحاجة إلى السكينة والاطمئنان. وإذا كان يبكي، فقد يرمز إلى ضغط داخلي يطلب التنفيس. وإذا ظهر الرائي وهو يحمل الطفل ويهدئه، فذلك يميل إلى الإشارة إلى قدرته على الاحتواء. أما لون الوجه والمكان ووجود أشخاص آخرين، فكلها إشارات صغيرة لا تُبنى عليها نتائج قاطعة.
من الناحية العملية والنفسية، يحسن بالرائي أن يتعامل مع الحلم بوصفه تذكيرًا بأن القلق يحتاج إلى تهدئة. النوم الكافي والطعام المنتظم وتخفيف الأخبار المخيفة قبل النوم قد تقلل من تكرار هذه الأحلام. والفحص الدوري للأطفال عند طبيب الأطفال هو الطريق الصحيح للاطمئنان على صحتهم، وليس الأحلام. وإذا بدت على الطفل علامات حقيقية فلا ينبغي انتظار تفسير الحلم، بل ينبغي مراجعة الطبيب فورًا. وقد تخفف المشاركة مع شخص موثوق من القلق الذي يرافق مسؤولية الرعاية.
هذا كله اجتهاد بشري ظني، وليس علمًا يقينيًا بما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله، والأحلام لا تحل محل الطبيب ولا الفحص. فليطمئن الرائي، وليحسن الظن بالله تعالى، وليكثر من الدعاء لأولاده وأحبابه بالعافية والسلامة. وفي الدعاء سكينة للقلب مهما كان التفسير. وبالله التوفيق.
