ابتعاد الجراد عن الرائي بعد أن رآه مشهد يتضمن مرحلتين، ظهور ثم انصراف، وهو ما يعطي الحلم حركة من الاقتراب إلى البعد. والتنبيه الأول أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا يعني ابتعاد الجراد في الحلم أن شيئًا بعينه سيقع في الواقع. هي صورة تتشكل في النفس، ويقرؤها المفسرون بحسب حال الرائي وما صاحب الحلم من مشاعر. ولذلك تختلف الدلالة من شخص إلى آخر بحسب ظروفه. وما يلي قراءة محتملة تُعرض بهدوء ودون جزم.
الجراد في الرمزية العامة يرتبط بالكثرة والحركة السريعة والتزاحم. وحين يبتعد بعد أن يُرى فقد يُقرأ ذلك على أمور كثيرة ظهرت ثم أخذت في الانصراف، أو على انشغال خفّ بعد أن بلغ ذروته. وقد يعبّر عن فرصة أو خبر مرّ وانتهى. وقد يُفهم في مشهد مريح على انفراج تدريجي وهدوء بعد ازدحام. فالمعنى يتوقف على شعور الرائي وما دار في المشهد.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الجراد قد يدل على جموع من الناس تأتي معًا أو على مال يأتي بسرعة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أنه إشارة إلى كثرة وانتشار، ويُنظر في أثره نفعًا أو إزعاجًا. ويُفهم من ذلك أن ابتعاد هذه الكثرة قد يحمل معنى الانقضاء أو الانصراف. وتختلف آراء أهل التعبير في هذا الرمز، ولم تفصّل الكتب القديمة في هذه الصورة تحديدًا لأن الرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا. ولذلك يُستأنس بهذه الأقوال ولا يُجزم بها.
ويؤثر السياق في المعنى تأثيرًا واضحًا، فالابتعاد البطيء غير الابتعاد السريع، والابتعاد مع بقاء الأثر غير الابتعاد دون أثر. وإن كان الرائي مرتاحًا لابتعاد الجراد فالمعنى أميل إلى انفراج، وإن كان آسفًا عليه فقد يعكس الحلم شعورًا بفوات شيء. ويُنظر كذلك إلى اتجاه الابتعاد، نحو الأفق أم نحو مكان بعينه. وكل ذلك قرائن تُرجّح وجهًا على آخر.
فإن ابتعد الجراد تدريجيًا حتى غاب عن النظر فقد يُقرأ ذلك على زوال الانشغال مع مرور الأيام. وإن ابتعد بسرعة فقد يُفسر بأمر مرّ سريعًا ولم يُترك له أثر. وإن ابتعد ثم عاد فقد يعبّر عن أمر يتكرر ظهوره ولم يُحسم. وإن ابتعد باتجاه الناس فقد يُفهم على أن الأمر ينتقل إلى غير الرائي. وكلها احتمالات لا يُقطع بها.
ويختلف الأمر بحسب حال الرائي، فالطالب قد يقرؤه في ضوء انتهاء اختبارات، والتاجر في ضوء انقضاء موسم مزدحم، والمرأة في ضوء انتهاء مناسبة أو ضيافة، والمسافر في ضوء ترك محطة خلفه. ومن كان في حال هدوء فقد يمر الحلم دون معنى خاص. وليس في ذلك قاعدة ثابتة، فهو ربط تقريبي بين الرمز وما يشغل صاحبه. ولذلك يُنصح بالنظر في الواقع قبل الأخذ بأي تفسير. فالحلم غالبًا يعكس ما في النفس لا ما في الغيب.
ومن التفاصيل الدقيقة لون الجراد وحجمه وعدده وسرعة ابتعاده. فالأخضر يميل بعضهم إلى ربطه بالنماء، والأصفر بالتعب العابر، والكبير بالأمر الظاهر في الذهن. والجراد الذي يبتعد في السماء غير الذي يبتعد على الأرض، والذي يبتعد وحده غير الذي يبتعد في سرب. ويختلف الحال بين ابتعاد في الحقل وابتعاد في الطريق وابتعاد من البيت. وكلها احتمالات تتفاوت من حلم إلى آخر.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم تذكيرًا بأن ما يزدحم في الذهن قد يخف مع الوقت. فمن رأى هذا المشهد قد يفيده أن يتأمل ما كان يقلقه فعلًا وهل ما زال قائمًا. ومن المفيد أن يغتنم فترة الصفاء في ترتيب أموره وإنجاز ما تأخر. كما أن الراحة وتقليل الإجهاد يعززان الأحلام الهادئة. وإن استمر القلق فاستشارة مختص أو صاحب خبرة أنفع من تكرار البحث في التأويل.
ومما يتبين في تعبير الأحلام أن الصورة الواحدة قد تحمل وجهين متقابلين، فالابتعاد قد يكون انفراجًا وقد يكون فوات فرصة. ولذلك لا ينبغي أن تُبنى على منام قصير توقعات كبيرة. وأقرب الأمور إلى الصواب أن ينظر الرائي في يومه ويسأل هل فيه ما يشغله فعلًا، فهو أرجح مفتاح للحلم. فإن لم يجد شيئًا فليتركه دون عناء. فالنفس تنتج في نومها صورًا كثيرة لا تحمل رسالة.
وفي الختام، هذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يُبنى عليه قرار ولا يغني عن التدبير والتشاور. والأجمل أن يستقبل الرائي منامه بحسن الظن بالله، وأن يدعو بالتيسير والتوفيق وراحة البال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما قيل هنا ليس سوى قراءة رمزية محتملة. فليأخذ بالأسباب وليترك المنام يمر بسلام. وليكن الدعاء بالطمأنينة وصلاح الحال خير ما يُختم به.
