قد يرى الإنسان في منامه بعوضا يخرج من الماء ويطير، فيستيقظ متسائلا عن دلالة هذا المشهد. والرؤيا رمزية في أصلها، وليست خبرا عن حدث قادم ولا حكما على أحد. وإنما هي صورة قد تعبّر عن مشاعر وأفكار تتصل بحياة الرائي. ولذلك فإن ما يرد هنا قراءة عامة تحتمل الصواب والخطأ، ويرجع تقديرها إلى حال الرائي. ومن المفيد أن يبدأ الرائي بتهدئة نفسه وتذكّر أن أكثر ما يُرى في المنام خواطر عابرة لا أثر لها في الواقع، ثم يتأمل ما يمكن أن يفيده منه. وبذلك يتحول المنام من مصدر انزعاج إلى فرصة لمراجعة بسيطة لشؤون يومه.
الماء في الرؤى يرتبط عادة بما هو خفي أو عميق في النفس وبالأحوال التي تسكن تحت السطح. والبعوض يشير إلى المنغصات الصغيرة. فاجتماعهما قد يدل على أن هناك أفكارا أو أمورا كانت ساكنة أو مؤجلة بدأت تطفو على سطح اهتمام الرائي وتنغص عليه. وقد يعبّر عن أن ما كان خفيا أو منسيا عاد إلى الذكر في صورة منغصات صغيرة. ولا يُجزم بأن في ذلك شرا، فالمشهد رمزي.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الماء أنه قد يدل على أحوال مختلفة بحسب صفائه وجريانه، وهو نقل يتفاوت بين الكتب. ونُسب إليه في الحشرات الصغيرة معنى المنغصات اليسيرة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يخرج من الماء من الأذى القليل يدل على كدر يظهر من أمر مستور. وتختلف آراء المعبّرين في التفاصيل، وصورة خروج البعوض من الماء من الصور المركبة الأقل تناولا في الكتب القديمة. لذلك تُؤخذ هذه الأقوال إشارات عامة لا أحكاما.
وللسياق أثر كبير، فإن كان الماء بحرا فقد يرتبط المعنى بأمور واسعة في الحياة. وإن كان بركة صغيرة فقد يرتبط بأمر محدود. وإن كان إناء في البيت فقد يرتبط بشأن شخصي أو عائلي. وإن كان البعوض يخرج بهدوء فقد تدل الصورة على عودة فكرة بخفة، وإن خرج بكثرة فقد تدل على تراكم انشغالات. وقد يفيد أن يتذكر الرائي أن الصورة الواحدة قد تحمل أكثر من معنى بحسب حاله.
وللعزباء قد تشير الصورة إلى ذكريات أو أفكار قديمة عادت إلى ذهنها في خلوتها، كقرار مؤجل أو موقف مضى. وقد تدل على أن عليها أن تنظر إليها بهدوء فتستخلص منها ما ينفع وتترك ما سواه. وللمتزوجة قد تعبّر عن مشاعر مؤجلة أو أمر عائلي مضى عاد إلى الذهن. وقد تدعوها إلى معالجته بلطف. وهذه المعاني احتمالات لا يقينا.
وللرجل قد تدل الصورة على أمر مؤجل في العمل أو الالتزامات بدأ يظهر ويحتاج إلى مراجعة. وقد تدعوه إلى معالجة ما تأخر قبل أن يتراكم. وللحامل قد تعكس الرؤيا انشغالها بما في داخلها من مشاعر وقلقها العام، وعليها أن تعرض أي أعراض حقيقية على طبيبها ولا تعتمد على الحلم. وللمريض يبقى الأخذ بإرشاد الطبيب. فالمنام ليس نصيحة طبية ولا بديلا عن الفحص.
ومن التفاصيل الدقيقة حال الماء عند خروج البعوض، فإن كان صافيا فقد يدل على أن الأمر الظاهر أصله طيب، وإن كان معكرا فقد يدل على غموض في الفكرة. وإن كان الرائي يقف على الحافة فقد يدل على قربه من الأمر، وإن كان بعيدا فقد يدل على إدراكه من مسافة آمنة. وإن عاد البعوض إلى الماء فقد يرمز إلى أن الأمر سيهدأ. وإن طار بعيدا فقد يدل على انفراج قريب. وكل ذلك رمزي ولا يُبنى عليه جزم.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا تذكيرا بأن الأمور المؤجلة تعود ما لم تُعالج. ويفيد أن يكتب الإنسان ما يؤجله ويرتبه ويبدأ بالأيسر. وفي الواقع من المهم إفراغ الأواني والمواضع التي يتجمع فيها الماء حول المنزل وتجفيفها، فهي مصدر الكثير من البعوض. وأي لدغات متكررة مع حمى أو تورم أو أعراض غير معتادة تستدعي مراجعة الطبيب. والحلم ليس نصيحة طبية، ومن المفيد أن يُنظر إليه نظرة هادئة متوازنة.
وقد تنشأ هذه الصورة من مشهد حقيقي رآه النائم قرب ماء أو من طنين سمعه قبل نومه. فالعقل يمزج ما يراه بما يشغله فيصنع صورة جديدة. ولا حاجة إلى التعمق في كل تفصيل، فبعض الصور انعكاس بسيط لما مرّ في اليوم. وقد يفيد الرائي أن يتذكر أن الأمور المنسية إذا عادت فهي فرصة لمعالجتها بهدوء. ويكفي أن يأخذ منها دعوة لطيفة إلى المراجعة.
وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، فلا يُبنى عليه خوف ولا قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بالتيسير وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم يبقى احتمالا. اللهم اشرح صدر كل قارئ ويسّر له أمره.
