قد يرى الإنسان في منامه بعوضا يدخل من نافذة بيته أو غرفته، فيستيقظ متسائلا عن معنى المشهد. والرؤيا رمزية في أصلها، وليست خبرا عن حدث قادم ولا حكما على أحد. وإنما هي صورة قد تعبّر عن مشاعر وأفكار تتصل بحياة الرائي. ولذلك فإن ما يرد هنا قراءة عامة تحتمل الصواب والخطأ، ويرجع تقديرها إلى حال الرائي. ومن المفيد أن يبدأ الرائي بتهدئة نفسه وتذكّر أن أكثر ما يُرى في المنام خواطر عابرة لا أثر لها في الواقع، ثم يتأمل ما يمكن أن يفيده منه.
النافذة في الرؤى ترتبط عادة بالاتصال بالعالم الخارجي وما يرد من أخبار ومشاهد وفرص وتأثيرات. والبعوض يشير إلى المنغصات الصغيرة. فاجتماعهما قد يدل على منغصات صغيرة تأتي من الخارج، كأخبار مزعجة أو كلام يتردد أو انشغالات تفرضها الظروف المحيطة. وقد يعبّر عن حاجة إلى تحديد ما يُسمح بدخوله إلى الذهن والبيت. ولا يُجزم بأن في ذلك شرا، فالمشهد رمزي.
نُسب إلى ابن سيرين في باب النافذة أنها قد تدل على المطالع والأخبار والاتصال بالخارج بحسب حالها. ونُسب إليه في الحشرات الصغيرة معنى المنغصات اليسيرة، وهو نقل تتباين ألفاظه بين الكتب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأذى القليل الداخل من خارج المكان يدل على كدر يأتي من جهة الناس أو الظروف. وتختلف آراء المعبّرين في التفاصيل، وصورة دخول البعوض من النافذة من الصور المركبة الأقل تناولا في الكتب القديمة. لذلك تُؤخذ هذه الأقوال إشارات عامة لا أحكاما.
وللسياق أثر كبير، فإن كانت النافذة في غرفة النوم فقد يتصل المعنى بأفكار تأتي عند الراحة. وإن كانت في المطبخ فقد يتصل بأمور المعيشة. وإن كانت في غرفة الجلوس فقد يتصل بالعلاقات الاجتماعية. وإن كان الرائي هو من فتحها فقد يدل على أنه سمح لأمر بالدخول، وإن كانت مفتوحة أصلا فقد يدل على تأثر بما حوله دون قصد. وقد يفيد أن يتذكر الرائي أن الصورة الواحدة قد تحمل أكثر من معنى بحسب حاله.
وللعزباء قد تشير الصورة إلى كلام الآخرين وتعليقاتهم الواردة من هنا وهناك في شأن مستقبلها. وقد تدل على حاجتها إلى انتقاء ما تسمعه والتركيز على ما ينفعها. وللمتزوجة قد تعبّر عن مؤثرات خارجية تتدخل في شؤون البيت كالزيارات والطلبات الكثيرة. وقد تدعوها إلى وضع حدود لطيفة. والأفضل أن تستعين بمن تثق بخبرته إن أرادت فهما أوسع.
وللرجل قد تدل الصورة على ضغوط خارجية في العمل أو الأسرة تتسرب إلى وقته الخاص. وقد تدعوه إلى الفصل بين وقت العمل ووقت البيت. وللحامل قد تعكس الرؤيا كثرة النصائح من حولها وقلقها العام، وعليها أن تعرض أي أعراض حقيقية على طبيبها ولا تعتمد على الحلم. وللمريض يبقى الأخذ بإرشاد الطبيب. فالمنام ليس نصيحة طبية ولا بديلا عن الفحص.
ومن التفاصيل الدقيقة حال النافذة، فإن كانت صغيرة فقد يدل ذلك على أمر محدود، وإن كانت واسعة فقد يدل على مؤثرات أكبر. وإن كان عليها شبك فقد يرمز إلى وجود حماية وإن ضعفت. وإن أغلقها الرائي فقد يدل على قدرته على ضبط ما يدخل. وإن خرج البعوض منها بعد قليل فقد يدل على انفراج قريب. وكل ذلك رمزي ولا يُبنى عليه جزم.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا تذكيرا بأهمية حماية الذهن من فيض الأخبار والمشتتات. ويفيد أن يحدد الإنسان أوقاتا معينة لمتابعة الأخبار والرسائل. وفي الواقع من المهم تركيب شبك على النوافذ وإغلاقها وقت الغروب وتفقد الأواني التي يتجمع فيها الماء حول البيت. وأي لدغات متكررة مع حمى أو تورم أو أعراض غير معتادة تستدعي مراجعة الطبيب. والحلم ليس نصيحة طبية، ومن المفيد أن يُنظر إليه نظرة هادئة متوازنة.
وقد تنشأ هذه الصورة من نافذة مفتوحة حقيقية سمع النائم عندها طنينا أو شعر بنسيم، فنسج العقل منها مشهدا. ولا حاجة إلى التعمق في كل تفصيل، فبعض الصور انعكاس بسيط لما حول النائم. وقد يفيد الرائي أن يتذكر أن للإنسان أن يفتح نوافذ الخير ويغلق ما يكدّره. ويكفي أن يأخذ منها دعوة لطيفة إلى حسن الانتقاء.
وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، فلا يُبنى عليه خوف ولا قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بالسكينة وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم يبقى احتمالا. اللهم افتح لكل قارئ أبواب الخير وأغلق عنه ما يكدّره.
