الجبل من الرموز التي تتكرر في أحلام النساء المتزوجات، وهي رؤيا تدعو إلى التأمل الهادئ أكثر مما تدعو إلى القلق. لا ينبغي أن تؤخذ صورة الجبل على ظاهرها، فالمنام لغة رمزية تتشكل من أفكار الرائية وأحوالها وما يشغل بالها في يقظتها. وتختلف دلالة الرؤيا من امرأة إلى أخرى، ومن حال إلى حال، حتى لو اتفقت الصورة نفسها. وما يُذكر هنا اجتهاد في فهم المعاني المحتملة، وليس جزمًا بما سيقع. ومن الأنسب أن تقرأ الرائية الرؤيا بسكينة، وتأخذ منها ما يوافق واقعها وتترك ما لا يوافقه.
يرمز الجبل في عمومه إلى الثبات والرفعة والصلابة، وقد يشير إلى هدف بعيد يحتاج إلى صعود متدرج، وإلى سند يلجأ إليه الإنسان حين تشتد عليه الأمور. وقد يدل في سياق آخر على عقبة كبيرة تبدو عصية قبل أن يبدأ المرء في تجاوزها. فالمعنى الواحد لا يصلح لكل حالة، والنظر في تفاصيل المشهد هو ما يرجّح معنى على آخر. وكلما كان الجبل هادئًا ومألوفًا وقريبًا من النفس مال المعنى إلى الطمأنينة والثبات، وكلما بدا شاقًا مرهقًا مال إلى معنى الجهد والمسؤولية. ويبقى ذلك كله احتمالات لا يقينًا.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الجبل أنه قد يدل على رجل عظيم القدر أو صاحب منزلة، وأن الصعود إليه قد يُفسَّر بنيل مقصد بعد مشقة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجبل قد يشير إلى السلطان أو الأب أو من يُعتمد عليه، وأن حال الجبل من حيث الخصب أو الجدب يؤثر في المعنى. وتختلف الآراء في هذه الأبواب، ولا يتفق المفسرون على تفصيل واحد، كما أن الرموز الأقل شيوعًا في المنام أقل تناولًا في الكتب القديمة. لذلك يُستحسن أن يُنظر إلى هذه الأقوال بوصفها إشارات عامة تُقرأ بحذر، لا قواعد جامدة تنطبق على كل امرأة وكل بيت.
السياق هو الميزان الأول في فهم الرؤيا. فالجبل الذي تراه المرأة في ضوء النهار يختلف عن جبل يلفه الضباب، والجبل الذي تقف عنده مطمئنة يختلف عن جبل تشعر أمامه بالضيق. كذلك يؤثر في المعنى شعورها داخل الحلم، وهل كانت وحدها أم برفقة زوجها أو أبنائها، وهل بدأت الصعود أم اكتفت بالنظر من بعيد. وهذه التفاصيل الصغيرة تغيّر الدلالة أكثر مما يغيّرها اسم الرمز نفسه. ومن الحصافة أن تسجّل الرائية ما تتذكره فور استيقاظها قبل أن يتلاشى من ذاكرتها.
حين تكون الرائية متزوجة، فقد يتصل الجبل في ذهنها بالبيت والأسرة وما تحمله من مسؤوليات. فقد يعبّر الجبل الراسخ عن استقرار الحياة الزوجية وقوة الروابط، وقد يشير إلى زوج يُعتمد عليه في أوقات الشدة. وقد يعبّر الصعود عن جهد تبذله لتربية الأبناء أو لتحسين أحوال الأسرة، وهو جهد يُرجى أن يثمر بعد صبر. وإن كان الجبل في الحلم عاليًا يصعب الوصول إلى قمته فقد يكون تعبيرًا عن أمنية كبيرة تحتاج إلى وقت وتعاون بين الزوجين. وكل ذلك يتوقف على ما تعيشه فعلًا، فقد تكون الصورة انعكاسًا لحال عابر لا أكثر.
وقد يكون للأمومة نصيب في فهم هذا المنام. فالمرأة التي ترعى أبناءها قد ترى الجبل رمزًا لتحمّل الأعباء اليومية، وللصبر الطويل الذي لا يراه أحد. وقد يشير الظل الممتد من الجبل إلى إحساس بالحماية والأمان داخل الأسرة، أو إلى حاجتها هي نفسها إلى من يسندها ويخفف عنها. وقد يعبّر الجبل البعيد عن تطلعات شخصية مؤجلة، كدراسة أو عمل أو مشروع صغير ترغب فيه. فليس في ذلك ما يدعو إلى الخوف، بل هو دعوة لطيفة إلى فهم النفس وحاجاتها.
وفي التفاصيل الدقيقة معان إضافية. فلون الصخر، وكثافة الأشجار إن وُجدت، ووجود طريق واضح أو غيابه، وصفاء السماء فوق القمة، كلها قرائن تُضاف إلى الصورة. فالطريق الواضح قد يوحي بسهولة نسبية في الوصول إلى الهدف، والطريق الوعر قد يوحي بحاجة إلى مزيد من التخطيط والتروّي. والجبل الأخضر قد يميل إلى معنى الخير والسعة، والجبل الجاف قد يميل إلى معنى الحاجة إلى الصبر. وتبقى هذه كلها ميلًا في التأويل لا قطعًا فيه.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم صدى لانشغال الرائية بأمر كبير في هذه الفترة، كمسؤولية جديدة أو قرار يخص الأسرة. وفي هذه الحال يفيدها أن تقسّم الأمر الكبير إلى خطوات صغيرة، كما يُقطع الجبل صعودًا خطوة بعد خطوة. ويفيدها كذلك أن تتبادل الكلام مع زوجها أو مع شخص تثق فيه حول ما يثقل عليها، فالمشاركة تخفف الحمل. وإن كانت تعاني من إرهاق أو قلق مستمر فمن المناسب أن تعتني براحتها وتستشير مختصًا عند الحاجة، فالمنام ليس نصيحة طبية ولا بديلًا عن الاستشارة المتخصصة.
ويحسن ألا تتعلق الرائية بالرؤيا تعلقًا يشغلها عن واقعها، ولا أن تجعلها سببًا لتوجّس أو سوء ظن بمن حولها. فالرؤيا الرمزية لا تتهم أحدًا ولا تحدد مصير علاقة أو بيت. وخير ما يُفعل بعد الرؤيا أن تواصل الحياة بهدوء وتحسن إلى أهل بيتها وتبقي قلبها مطمئنًا. وإن راودها الفضول فلتعرضها على من تثق بعلمه وحسن فهمه، دون أن تبني عليها قرارًا حاسمًا.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري أو يُترك به عمل نافع. والدعاء أن يجعل الله ما رأته خيرًا، وأن يرزقها السكينة وحسن الظن به، فالظن الحسن بالله باب طمأنينة واسع. أما الغيب فلا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية تحتمل أكثر من وجه. فلتمضِ الرائية في يومها مطمئنة، تأخذ بالأسباب وتحسن العمل، وتفوّض أمرها إلى ربها.
