رؤية قمة الجبل وهي محاطة بالغيوم أو مختفية فيها من المشاهد التي تجمع بين العلو والغموض. والأحلام في الأصل رموز تتلون بمشاعر صاحبها وأحواله، وليست أخبارًا حرفية عن المستقبل. فمن رأى هذا المشهد فالأولى أن يتأمل معناه العام دون استعجال ولا قلق. وما سيأتي ذكره احتمالات تفسيرية، يؤخذ منها ما يناسب الحال ويُترك ما سواه.
الجبل يرمز عمومًا إلى الثبات والرفعة والسند، وقد يرمز إلى هدف بعيد أو إلى عقبة كبيرة بحسب السياق. والغيوم قد ترمز إلى الستر والغموض وإلى الخير المنتظر، وقد ترمز أيضًا إلى التردد وعدم وضوح الرؤية. فإذا اجتمعا، كانت القمة العالية التي لا تظهر بوضوح صورة لهدف يراه الرائي ولا يكتمل عنده تصوره. وقد تدل على حاجة إلى مزيد من المعرفة أو الاستشارة قبل الإقدام على خطوة كبيرة. وقد تكون كذلك إشارة إلى أمل جميل ينتظر أن تنجلي ملامحه مع الوقت.
نُسب إلى ابن سيرين أن الغيم قد يدل على خير ورزق إذا كان نافعًا غير مؤذٍ، وقد يدل على هم أو ضيق إذا كان كثيفًا مظلمًا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الغيم يُفسَّر بحسب ما يصاحبه من مطر أو ريح أو برق، وأن الغيم الخفيف الهادئ أقرب إلى الخير. وأما اجتماع الجبل والغيم على القمة فلم يُفصَّل فيه كثيرًا، فهو من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة. ولذلك يعتمد المفسر هنا على الجمع بين الأصلين، وهو طريق ظني تختلف فيه الآراء. فمن الأولى ألا يُبنى على الرؤيا جزم قاطع، بل تُعامل كاحتمال يُنظر فيه مع حال الرائي.
يتحدد الاتجاه الأقرب بما يصاحب الغيوم من حال. فإن كانت الغيوم بيضاء خفيفة تتحرك ببطء حول القمة، فهي أقرب إلى الطمأنينة وإلى انتظار خير بعد صبر. وإن كانت كثيفة داكنة تحجب الرؤية تمامًا، فقد تدل على قلق من المجهول أو على تشوش في اتخاذ قرار. وإن كان الرائي يصعد نحو القمة ويدخل الغيوم، فقد يعني ذلك أنه يمضي في طريق لم تتضح معالمه بعد. وإن كان يقف تحتها ينظر إليها فقط، فقد يدل على تأمل في هدف بعيد دون شروع كامل فيه.
بالنسبة للفتاة غير المتزوجة، قد تعبّر الرؤيا عن طموح كبير لم تتضح خطواته بعد، أو عن حيرة بين خيارين في دراسة أو عمل. وقد يدل انجلاء الغيوم عن القمة على أن الصورة ستتضح لها مع الوقت. أما المرأة المتزوجة فقد تُقرأ الرؤيا عندها على أنها انشغال بمستقبل الأسرة وأمور غير واضحة المعالم، أو أمل في تحسن حال يحتاج إلى صبر. وفي الحالتين يحسن ألا تُتخذ قرارات مصيرية بسبب الرؤيا، وأن يُستشار أهل الخبرة والرأي فيما يستحق الاستشارة.
أما الرجل فقد تدل عنده على مشروع أو منصب أو هدف مهني يراه عاليًا لكنه لم يتبين طريقه بالكامل. وقد تدفعه الرؤيا إلى مزيد من الدراسة والتخطيط قبل الإقدام. وإذا رأتها الحامل فهي في الغالب انعكاس لما تحمله من ترقب لما هو قادم وعدم يقين بتفاصيله، وهذا شعور طبيعي. وليس الحلم نصيحة طبية، ومن كان يعاني من قلق شديد أو أعراض مرضية في الحمل أو غيره فعليه مراجعة الطبيب.
وللتفاصيل أثر في القراءة، فهل كانت الغيوم تلامس القمة فقط أم تغطي الجبل كله؟ وهل كان الضوء ينفذ من بينها أم كانت قاتمة؟ فالضوء الذي يخترق الغيوم قد يُقرأ على أنه بارقة أمل وبداية وضوح. أما الغيوم التي تتجمع وتزداد فقد توحي بحاجة إلى الاستعداد لظروف متقلبة. والصمت أو السكينة في المشهد أقرب إلى الاطمئنان، والأصوات الصاخبة قد تعبّر عن اضطراب داخلي.
عمليًّا يمكن أن تكون الرؤيا تذكيرًا بأن الهدف العالي يحتاج إلى رؤية واضحة، وأن الغموض يُزال بالسؤال والقراءة والتخطيط. ومن المفيد أن يكتب الرائي ما يشغل باله من أهداف ويحدد أقربها إلى التنفيذ. وقد يكون المنام صدى لمنظر طبيعي شاهده في الواقع أو في صورة، فلا يُثقل بتأويل زائد. ويكفي أن يأخذ منه الإنسان معنى التروي وعدم الاستعجال، ثم يعمل بما يعلم ويفوّض ما يجهل إلى الله.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار مصيري. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالخير والتوفيق. ويُسأل الله أن يجعل ما رآه الرائي خيرًا، وأن يشرح صدره وينير بصيرته في أموره كلها. ويبقى الأمر أن يمضي الإنسان في طريقه بعمل وصبر، مطمئنًا إلى أن ما غاب عنه علمه عند الله.
