قد يرى النائم أنه يُهدي البصل لأحد من الناس، فيقدّمه في كيس أو طبق أو يضعه في يد قريب أو جار أو صديق، وهي صورة طريفة بعض الشيء لأن الإهداء يرتبط في الأذهان بما هو نفيس أو جميل، والبصل من الأطعمة البسيطة. غير أن هذا الحلم قد يعكس عادات حقيقية في الجيرة والمشاركة، فكثير من الناس يتبادلون ما يفيض من بيوتهم من خضار وفاكهة. وسنذكر هنا ما قيل في تأويله بحذر، فالأحلام رموز تحتمل التأويل المتعدد، والتأويل ظني لا يُؤخذ على أنه حقيقة حرفية.
والإهداء في عالم الرموز يُقرأ عند المفسرين على أنه صلة ومودة وتبادل منفعة، وربما على قول يُقدّمه المرء لغيره أو خبر يوصله إليه. أما البصل فقد ذكروا فيه رزقاً متواضعاً مع عناء، وضيقاً يعقبه فرج، وكلمة حادة، وأموراً مستورة تنكشف. فاجتماع الإهداء والبصل قد يُقرأ على أن الرائي يشارك غيره شيئاً من رزقه البسيط، أو أنه يوجّه إلى أحد كلاماً قد يكون فيه حدة أو صراحة، وقد يُقرأ على أنه يعين أحداً على أمر فيه مشقة. وهذه قراءات عامة لا قطع فيها.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن الهدية في المنام قد تدل على مودة وصلة، وأن من أهدى غيره شيئاً قد يكون ذلك دليلاً على إحسان منه أو على حاجة عنده. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يُهدى إن كان زهيداً دلّ على إحسان يسير وصلة بسيطة، وإن كان مرّ المذاق أو حاد الرائحة فقد يدل على كلام ثقيل يُقال للمهدى إليه. ولا يخفى أن أهل التعبير اختلفوا في هذه الأمور، وأن النقل عنهم قد يختلط، فنحن نعرض قراءات لا حقائق.
ويتغير المعنى بتغير صورة الإهداء، فإن كان البصل نظيفاً مرتباً في طبق جميل فقد يُقرأ ذلك على إحسان حسن الأسلوب، وإن كان ملقى بلا ترتيب فقد يُقرأ على استعجال أو قلة اكتراث. وإن فرح المهدى إليه وشكر فقد يُقرأ ذلك على قبول وصلة طيبة، وإن اعتذر أو تبرّم فقد يكون في الأمر حساسية أو سوء تفاهم محتمل. وكمية البصل تعبّر عن حجم الصلة، والدموع إن حضرت أثناء الإهداء قد تُقرأ على مشاعر مختلطة يعبّر عنها الرائي بالتنفيس.
وللرجل قد يرتبط الحلم بصلة أرحام أو معاونة جار أو زميل بما تيسر، وللتاجر قد يشير إلى عرض أو تخفيض أو مجاملة لعميل بما لا يضر. وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ على أنه كرم في البيت وتبادل مع الجيران والأقارب، وهو من جميل ما يربط البيوت. وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ على رغبة في كسب ود أحد بأسلوب بسيط، أو على كلمة صريحة تريد أن تقولها وتخشى ردّ فعلها. أما الحامل فقد يكون الحلم عندها انعكاساً لرغبتها في العطاء والاستعداد لدور جديد.
ومن التفاصيل التي قد تدقق المعنى أن يُنظر إلى هوية المهدى إليه، فإن كان قريباً أو صديقاً فالأمر متعلق بالأنس، وإن كان خصماً فقد يتعلق بمحاولة لتلطيف الأجواء أو بعتاب مبطن، وإن كان مجهولاً فقد يتعلق بإحسان عام أو بأفكار لم تتضح. ويُنظر إلى وقت الإهداء، فإن كان في مناسبة فهو أقرب إلى المودة المعتادة، وإن كان عفوياً فهو أقرب إلى اللطف. كما يُنظر إلى إحساس الرائي، فالسرور يدل على خير، والتردد قد يدل على قلق من الرد.
وعلى المستوى النفسي والعملي يذكّرنا الحلم بأن العطاء لا يُقاس بقيمة ما يُعطى بل بصدق النية وحسن الأسلوب، فلقمة بسيطة بقلب طيب خير من هدية فاخرة بلا مودة. وقد يدعو الرائي إلى مراجعة طريقته مع من حوله، هل يعطيهم من وقته ولطفه وكلمته الطيبة؟ فالكلمة الجافة كالبصل الحاد، وإذا قُدمت برفق صارت نافعة. وفي القناعة والكرم باعتدال أنس وبركة، وفي الصبر على صغائر الناس خير كثير.
وقد يشير الحلم عند بعض الناس إلى رغبة في إصلاح علاقة قديمة بخطوة صغيرة غير متكلفة، كمكالمة أو زيارة قصيرة أو هدية رمزية. وهذا المعنى لا يحتاج إلى تأويل غيبي، فهو من الأخلاق الحسنة التي يشجع عليها كل عاقل، وفيه خير سواء رأينا الحلم أم لم نره. فمن وجد في قلبه ميلاً إلى ذلك فليستعن بالله وليبادر بالمعروف.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في علاقة أو مال أو غير ذلك. فلنقابل ما نرى بالدعاء وحسن الظن بالله، ولنسأله أن يبارك لنا في أرزاقنا وصلاتنا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ذكرناه تأملات إنسانية نأخذ منها ما يفيد ونترك ما سواه.
