رؤية البصل في المنام من المشاهد البسيطة التي تتكرر عند كثير من الناس، فهو طعام حاضر في كل بيت تقريباً، وقد يظهر في الحلم على هيئة حبة واحدة أو أكياس مكدسة أو طبق موضوع على مائدة. ولأن البصل من أبسط ما تقع عليه العين في الحياة اليومية، فإن النائم كثيراً ما يراه دون أن يكون وراءه أمر عظيم، إذ قد يكون انعكاساً لما شاهده في يومه أو لحديث دار حوله. ومع ذلك يتناول المفسرون هذه الرؤيا بقراءات رمزية متعددة، ونحن نعرضها هنا بروح هادئة. وينبغي أن يُفهم من البداية أن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، وأنه يختلف باختلاف حال الرائي وما يحيط به من تفاصيل.
في أصل الرمزية يرتبط البصل في كلام بعض المفسرين بالرزق المتواضع الذي يأتي مع شيء من المشقة، فهو طعام بسيط يُشترى بثمن قليل لكنه لا يُقشَّر ولا يُقطَّع إلا ومعه دمعة. ويرى بعضهم أن طبقاته المتراكبة تشير إلى أمور مخفية تنكشف طبقة بعد طبقة، وأن حدّته قد ترمز إلى كلمة لاذعة أو موقف يجرح قليلاً ثم يمضي. ويذكر آخرون أن البكاء المصاحب له قد يدل على ضيق يعقبه انفراج، كما أن الدمعة تُخرج ما في الصدر فيرتاح صاحبها. وهذه كلها معانٍ يذكرها الشراح على سبيل الاحتمال لا اليقين.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول من كتب التعبير أن البصل يدل على مال قليل يأتي بعد تعب وهمّ، وأن من أكله في المنام ربما نال عيشاً فيه شيء من الكدر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البصل قد يشير إلى كلام يؤذي أو خلاف عابر يعقبه صلح، وإن كان ذلك يختلف بحسب حال الرائي. ومن المهم أن نذكر أن هذه النسبة تتفاوت من كتاب إلى آخر، وأن المفسرين اختلفوا في كثير من التفاصيل، فبعضهم يميل إلى جانب الحذر وبعضهم إلى جانب البشارة. ونحن هنا نصف قراءات متداولة ولا نقرر حقائق ثابتة.
أما سياق الرؤيا فهو الذي يغيّر المعنى تغييراً كبيراً، فالبصل الطازج النظيف غير البصل الذابل أو المتعفن، والبصل النيء غير المطبوخ، واللون الأحمر غير الأبيض. وكذلك يختلف الأمر بحسب كمية ما رآه النائم، فحبة واحدة توحي بشيء يسير، وكومة كبيرة قد توحي بكثرة أعباء أو كثرة أرزاق صغيرة متفرقة. ولا بد من النظر إلى شعور الرائي نفسه: هل كان مرتاحاً أم منزعجاً، وهل دمعت عيناه أم لا. فالمشاعر داخل الحلم جزء من الصورة، وقد تقلب القراءة من جهة إلى أخرى.
وبالنسبة للرجل الذي يرى البصل في منامه، يقول بعض المفسرين إن الرؤيا قد تشير إلى عمل يتعب صاحبه ويدر عليه رزقاً معتدلاً، أو إلى مسؤوليات أسرية صغيرة تتطلب صبراً. وإذا كان الرائي تاجراً فقد تُقرأ على أنها تجارة بسيطة الربح كثيرة الحركة، تقوم على البيع الخفيف والتكرار لا على الصفقات الكبيرة. وقد يقرأها بعضهم إشارة إلى حديث مع شريك أو صاحب فيه شيء من الحدة. وكل ذلك احتمال يُذكر للتأمل لا أكثر.
وللمرأة التي ترى البصل في منامها قراءات مشابهة، فقد تُفسَّر بأعباء البيت اليومية التي تحتاج إلى صبر ولا تخلو من لحظات ضيق عابرة. وإن كانت حاملاً فإن بعض الناس يربط ما تراه بما تشعر به من تقلبات جسدية ونفسية، ويرى أن الحلم قد يكون صدى لهذه الحال أكثر من كونه إشارة إلى أمر مستقبلي. ولا ينبغي أن يُحمَّل المنام فوق ما يحتمل، فالحمل له شواغله التي تنعكس في الأحلام بصور شتى. وتبقى الطمأنينة والدعاء أولى ما تلجأ إليه.
ومن التفاصيل الدقيقة التي يلتفت إليها المفسرون مكان ظهور البصل، فإن رؤيته في البيت تختلف عن رؤيته في السوق أو في الحقل، وكذلك هيئته: مقشراً أو بقشره، مقطعاً أو كاملاً. ويلتفت بعضهم إلى هل كان النائم هو من أحضره أم أعطاه إياه غيره، فالمعطي قد يرمز إلى من يأتي منه الخير أو الكلام الصريح. كما أن رائحة البصل في الحلم وإن كانت قوية فقد تدل على أمر ظاهر يعرفه الناس. وكل تفصيلة من هذه تضيف لوناً إلى القراءة، من غير أن تحوّلها إلى حكم قاطع.
ومن الناحية النفسية، يمكن النظر إلى هذا الحلم كدعوة هادئة إلى الصبر على صغائر الأمور، فالحياة مليئة بمواقف بسيطة تدمع لها العين ثم تعود الابتسامة. وقد يذكّر البصل بأهمية الصدق في القول والرفق في العبارة، فالكلمة الحادة تترك أثراً كما تفعل حدة البصل في العين. وهو أيضاً تذكير بجمال القناعة بالرزق اليومي البسيط، وبأن كثيراً من البركة تكمن في الأشياء المتواضعة. فمن أحسن التعامل مع ما بين يديه وجد في البساطة راحة.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، فلا ينبغي أن يُبنى عليه قرار في مال أو عمل أو زواج أو سفر أو علاقة. والأولى لمن رأى منامه أن يلجأ إلى الدعاء وأن يحسن الظن بالله، وأن يمضي في حياته بالأسباب المشروعة والتوكل. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما التفسير إلا محاولة لفهم الرموز بقدر ما يبلغه علم الناس، والله أعلم بالصواب.
