من يرى في منامه أنه يرغب في تأليف كتاب، أو يمسك قلمًا لينشئ نصًا طويلًا، أو يجلس لتصنيف أفكاره وترتيبها، فإن المشهد يحمل في ظاهره معنى الطموح والإنتاج. والرؤيا رمزية في أصلها، فلا يُقطع بنتيجة معينة، وإنما تُقرأ بوصفها إشارة محتملة إلى ما يتحرك في نفس الرائي. وقد يكون الحلم انعكاسًا لقراءة أو دراسة أو فكرة يعيش معها صاحبها منذ مدة. والقلم قلم كتابة عادي، فالمعنى متعلق بالتدوين والتصنيف والتخطيط. وما يلي قراءات محتملة يُستأنس بها ولا يُجزم بها.
يرمز القلم إلى الأداة التي تتحول بها الفكرة إلى نص مقروء يبقى بعد صاحبه، فكيف إذا اقترن بالرغبة في التأليف التي تعني جمع الأفكار وترتيبها في بناء واحد. وقد يدل ذلك على طموح علمي أو أدبي، أو على رغبة في ترك أثر نافع يُنسب إلى صاحبه. وقد يتصل بالتخطيط لمشروع ذي أجزاء متعددة يحتاج إلى صبر ومثابرة. ويمكن أن يرمز كذلك إلى حاجة إلى جمع شتات الأفكار وتنظيمها قبل المضي في أمر ما. وهذه كلها احتمالات لا قطع فيها.
نُسب إلى ابن سيرين أن القلم يرمز إلى العلم والكلام، وأن اشتغال الرائي بالكتابة في المنام يُفسَّر باشتغاله بأمر ذي بيان ونفع. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الكتاب والكتابة يشيران إلى أمر يُدوَّن ويُحفظ، وإلى مكانة بين الناس بقدر ما في الكتابة من فائدة. وتختلف الآراء، فمن المعبرين من ربط ذلك بالعلم وطلبه، ومنهم من ربطه بالمنزلة والذكر الحسن، ومنهم من جعله دلالة على مجرد الانشغال بالفكر. ولذلك لا يصح التعويل على قول واحد دون النظر في حال الرائي. وهذه الأقوال تُذكر على سبيل الاستئناس.
للسياق أثر كبير، فإن كان التأليف في الحلم يجري بسهولة وتدفق، فقد يدل ذلك على استعداد داخلي لبدء مشروع فكري أو تعليمي. وإن كان متعثرًا أو يتوقف كثيرًا، فقد يشير إلى حاجة إلى مزيد من الإعداد قبل الإقدام. وإن كان الرائي يؤلف في مكتبة أو بين الكتب، فقد يرتبط ذلك بحب القراءة والتعلم. وإن كان يؤلف وحيدًا في مكان مظلم أو ضيق، فقد يشير إلى عزلة أو حاجة إلى دعم. وتفاصيل المكان والإضاءة والأدوات جزء من الصورة.
للعزباء قد يدل الحلم على طموح دراسي أو أدبي ورغبة في أن يكون لها أثر خاص بها، وقد يرتبط بتجميع أفكارها حول مستقبلها. وللمتزوجة قد يشير إلى رغبة في الإفادة من خبرتها في الأسرة والتربية وتدوينها، أو في العودة إلى هواية مؤجلة. وللحامل قد يرتبط بالرغبة في تدوين تجربتها وذكرياتها لطفلها. وللمطلقة والأرملة قد يدل على بدء فصل جديد يعبَّر عنه بالكلمة. وكل ذلك احتمالات لا تنطبق على الجميع.
وللرجل قد يتصل الحلم بطموح مهني أو علمي، كتأليف كتاب في تخصصه أو توثيق خبرته. وللشاب قد يعبّر عن رغبة في إثبات الذات وصناعة اسم، وللطالب عن مشروع بحثي أو رسالة علمية. وللتاجر قد يشير إلى رغبة في وضع دليل عملي أو دراسة عن مجاله. وللمعلم قد يتصل بتجميع مادته في مرجع يفيد طلابه. ويبقى الأفضل أن يزن كل واحد هذه الاحتمالات بما يعرفه عن نفسه.
من التفاصيل المؤثرة نوع ما يُؤلف، فإن كان كتابًا علميًا فقد يميل المعنى إلى التعلم والتخصص، وإن كان قصة أو شعرًا فقد يميل إلى الخيال والتعبير الوجداني، وإن كان دليلًا أو مذكرات فقد يميل إلى التجربة العملية. وكذلك حجم المؤلَّف، فالقصير يوحي بمشروع قريب، والطويل يوحي بمشروع يحتاج إلى سنوات. وإن كان معه من يساعده في التحرير أو التنقيح فقد يدل على حاجته إلى مشورة وتعاون. وإن كان يمزق ما يكتب فقد يعبّر عن نزعة إلى الكمال تعيقه. وهذه قرائن صغيرة تُضم إلى غيرها.
وللمريض قد يكون الحلم تعبيرًا عن رغبة في استثمار وقته في شيء يملأ نفسه بالمعنى. وللمسافر قد يتصل بتدوين يومياته وانطباعاته لتصير كتابًا يومًا ما. وللمسن قد يدل على رغبة في نقل خبرته لمن بعده. وللمهموم قد يكون الحلم نافذة يتنفس منها بالكتابة بدل الكتمان. ولا يلزم أن يتحول ذلك إلى مشروع ضخم، فقد تكفي صفحات قليلة.
من الناحية النفسية، قد يظهر الحلم عندما يحتفظ الإنسان بفكرة تنمو في داخله ولم يمنحها شكلًا بعد. ويفيد أن يبدأ الرائي بتدوين عناوين أو نقاط صغيرة، ثم يرتبها تدريجيًا دون استعجال، وأن يحدد وقتًا يوميًا يسيرًا للكتابة. ويحسن أن يقرأ ما كتبه على من يثق به ليحصل على رأي صادق. وليس في هذا الحلم وعد بنجاح أو شهرة، ولا هو نصيحة طبية متخصصة. وإن كان الانشغال بالفكرة يمنعه من النوم والراحة فليستعن بمختص أو بأحد أهله.
الخلاصة أن الرغبة في التأليف في المنام قد تعبّر عن طموح فكري وفكرة تنتظر من يمنحها شكلًا، وقد لا تكون أكثر من انعكاس لانشغال الرائي بالقراءة أو الدراسة. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُجزم به ولا يُبنى عليه أمل مبالغ فيه. والأولى أن يدعو الرائي الله بالتوفيق وأن يحسن الظن به في سعيه. أما ما سيكون فلا يعلمه إلا الله، والغيب عنده وحده.
