رؤية الرسم بالقلم في المنام تحمل طابعًا فنيًا هادئًا، لكنها كسائر الرؤى رموز وصور لا تُقرأ قراءة حرفية. فقد يرسم الرائي في منامه وجهًا أو بيتًا أو شجرة أو خطوطًا لا شكل لها، ولكل منها دلالة تختلف باختلاف حاله. والرؤيا تتأثر بما يشغل صاحبها من أفكار وما مر به من مشاعر خلال يومه. ولذلك يحسن التعامل مع ما يلي على أنه احتمالات للتأمل، لا إخبار قاطع عن شيء بعينه. ومن وجد في نفسه قلقًا فليهوّن الأمر على نفسه ولا يحمّل الحلم أكثر مما يحتمل.
القلم في المنام العادي يرمز غالبًا إلى التعبير والكتابة والتوثيق والتعلم، وإلى الأفكار حين تأخذ شكلًا يمكن رؤيته. وهو كذلك أداة للمراسلة والتواصل، ولتدوين الذكريات وتخطيط الأيام، وللتأثير في الآخرين بالكلمة. فإذا انتقل القلم من الكتابة إلى الرسم، اتسعت الرمزية لتشمل الخيال والتصور والتعبير بالصورة بدل الكلمة. فالرسم لغة أخرى يقولها الإنسان حين يعجز اللسان عن قولها أحيانًا. ويبقى ذلك كله من باب الاحتمال لا الجزم.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب القلم والكتابة عمومًا أن القلم يدل على البيان والكلام، ولم يُنقل عنه في الرسم بالقلم تفصيل مستقل يُعتمد عليه بصورة قاطعة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الكتابة والنقش ترتبطان بالأعمال التي يتركها الإنسان أثرًا لنفسه. غير أن الآراء تختلف في تفصيل ذلك، ومن الشراح من يجعل الرسم قريبًا من الزينة والخيال. والرموز الأقل شيوعًا كهذا الرمز أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيتسع فيها باب الاجتهاد. ولذلك يحسن أن يؤخذ ما ذُكر على سبيل الاستئناس لا الجزم.
يتغير المعنى بحسب ما يُرسم وكيف يُرسم. فإن كان الرسم لشيء جميل ومتناسق وبخطوط واضحة، فقد يشير إلى تصور مريح لمستقبل قريب أو إلى رغبة في ترتيب الأفكار. وإن كان عشوائيًا أو مشوشًا، فقد يعبر عن انشغال البال وتزاحم الخواطر دون ترتيب. وإن رُسم وجه مألوف، فقد يرتبط بالشوق أو الذكرى لصاحب هذا الوجه. وكذلك مكان الرسم، على ورقة أو جدار أو كف اليد، يضيف دلالة خاصة إلى الصورة.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة أنها ترسم بالقلم، فقد يشير ذلك إلى خيال واسع ورغبة في التعبير عن مشاعرها بطريقة تخصها. وقد يرمز إلى أحلام تتشكل في ذهنها عن دراسة أو عمل أو حياة تتمناها. وإن كان الرسم جميلًا، فقد يوحي بتفاؤل وهدوء داخلي. وإن كان ناقصًا أو مشطوبًا، فقد يدل على تردد في بعض الخيارات، وهذا طبيعي في هذه المرحلة. ولا يُربط الحلم بوعد بنتيجة معينة، فهو مجرد انعكاس رمزي لما في النفس.
المرأة المتزوجة قد ترى الرسم بالقلم حين تفكر في ترتيب بيتها أو تزيينه أو في أبنائها وما يرسمونه من أحلام. وقد يرمز إلى رغبتها في صنع جو دافئ للأسرة وتصور شكل أفضل للأيام المقبلة. وإن رسمت وجوه أولادها، فقد يدل ذلك على تعلقها بهم وانشغالها بتفاصيل نموهم. وإن كان الرسم عفويًا ومبهجًا، فقد يعبر عن راحة نفسية. أما إن اقترن بالضيق، فقد يكون ثقل المسؤوليات هو ما يظهر في الحلم.
الرجل الذي يرسم بالقلم في منامه قد يكون في مرحلة تفكير في مشروع أو خطة، فيرسم الحلم ملامحها قبل أن تتضح في الواقع. وقد يرمز إلى ميل إلى الابتكار أو إلى رغبة في الابتعاد عن الرتابة. أما الطالب فقد يشير الرسم في منامه إلى مادة دراسية تتطلب تصورًا بصريًا كالهندسة أو الأحياء، أو إلى حاجته إلى طريقة أيسر في الاستذكار. وقد يدعوه إلى تلخيص دروسه بالخرائط والمخططات. وفي كل حال، يبقى المعنى مرتبطًا بحال كل رائٍ لا بقاعدة عامة.
للتفاصيل الدقيقة أثرها، فخط مستقيم يختلف عن دوائر متداخلة، وأشكال هندسية تختلف عن صور طبيعية كالأشجار والجبال. والرسم الذي يكتمل أمام الرائي قد يدل على اكتمال فكرة تدور في ذهنه، بينما الرسم الذي يزول أو يتغير قد يشير إلى تقلب الخواطر. ولون الحبر وسُمك الخط وحجم الرسم عناصر تستحق التأمل. وإن كان الرسم لطفل أو بمشاركة طفل، فقد يرمز إلى البساطة والعودة إلى التعبير الحر. وهذه كلها قراءات احتمالية لا أكثر.
من الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى التعبير عن المشاعر بطرق غير الكلام. فالرسم أو الخربشة على الورق وسيلة معروفة لتخفيف التوتر وترتيب الأفكار. ويمكن للرائي أن يدوّن أفكاره في دفتر صغير، ويرسم خططًا بسيطة لما يريد إنجازه في أسبوعه. كما أن تخصيص وقت قصير يوميًا للكتابة أو الرسم يمنح الذهن مساحة هادئة. وإن شعر الرائي بضغط مستمر فالتحدث مع شخص قريب يخفف كثيرًا.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن تأمل الرائي في حاله وظروفه. وحسن الظن بالله والدعاء بالخير والسكينة خير ما يصحب الإنسان بعد أي رؤيا. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُبنى على الصور المنامية جزم ولا تخويف. فمن رأى في منامه رسمًا جميلًا فليفرح به دون مبالغة، ومن رأى غير ذلك فليطمئن. اللهم اجعل لكل من قرأ هذه السطور خيرًا وطمأنينة وحسن ظن بك.
